الخميس، يناير 21، 2010

القاهرة كما رآها الخديوي إسماعيل "إبداع وجمال"
إعداد الدكتور/ عماد رمضان سليمان
تعد مدينة القاهرة من أكثر مدن الشرق التي استأثرت بالكتابات والتأريخ حيث أطلق عليها لقب " جوهرة الشرق " ، نظراً لأن عمر تلك المدينة يزيد على الألف عام، منذ مجئ الفاطميين إلى مصر، على أن شواهد التاريخ تؤكد أن مكان هذه المدينة كان عاصمة لمصر في أغلب فترات تاريخها، إذ يرجع البعض اتخاذها عاصمة إلى سنة 98 ميلادية عندما بني حصن بابليون والذي ما تزال بقاياه موجودة حتى الآن، وعندما جاء عمرو بن العاص لفتح مصر أقام عاصمته الجديدة الفسطاط بالقرب من ذلك الحصن (سنة 20هـ / 639م)، ثم مدينة "العسكر" التي بنيت (سنة 133هـ / 751م)، ثم اتخذ أحمد بن طولون* "القطائع" (سنة 256هـ / 870م) عاصمة للدولة الطولونية في مصر، كما اتخذها محمد بن طغج الاخشيد*عاصمة لدولته والتي عرفت بالدولة الاخشيدية، ثم أنشأت "القاهرة" وشملت المدن الثلاث في عصر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله على يد جوهر الصقلي عام 969م والتي مازالت تحمل الاسم ذاته حتي اليوم.(1) والقاهرة هي عاصمة مصر وأهم مدنها، فيبلغ عدد سكانها حوالي80 مليون نسمة حسب إحصائيات 2007 يمثلون 10,73 % من إجمالي سكان مصر، في حين يبلغ عدد سكان القاهرة الكبرى 20 مليونًا ونصف مليون نسمة، ويسكنها أكثر من ربع سكان مصر ، وتصل الكثافة السكانيـة بها إلـى أكثر من 15 ألف نسمة لكل كيلومتر مربع، وهي أكبر مدينة أفريقية والاكثر ـــــــــــــــــــ * الاخشيد لقب إيراني تلقب به الأمراء، منحه الخليفة الراضي العباسي لمحمد بن طغج لكسب مودته إلى جانبه ويدل هذا على مكانة الاخشيد في مصر وما بلغه من سلطان ونفوذ كبير. * أحمد بن طولون هو مؤسس الدولة الطولونية، وقد عني بأمور شئون دولته وما يتصل بها من مناحي الحياة، وأنشأ في مسجده المعروف باسمه إلى اليوم، ولا يزال شاهدًا على ما بلغته الدولة من رقي وازدهار في فنون العمارة، وأنشأ البيمارستان، واهتم بالزراعة فعُني بتطهير نهر النيل، وشق الترع، وإقامة الجسور، كما اهتم بالصناعة، ونتيجة لذلك عمَ الرخاء، وازدادت مالية الدولة، واستغل ابن طولون ذلك في تحسين أحوال الناس المعيشية. 1- شحاته عيسى إبراهيم: القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001م، ص ص 15 – 73. والأكثر سكاناً في أفريقيا والشرق الأوسط، وتشغل كامل مساحتها مدينة واحدة ، وبالرغم من كونها كمدينة هى الأكبر إلا أنها تعد من أصغر محافظات. (1) و سميت تاريخيا باسم مدينة الألف مئذنة لكثرة مساجدها، أسسها القائد "جوهر الصقلي" ولتكون عاصمة "المعز لدين الله" القادم من تونس لفتح مصر بعد أن أسس الدولة الفاطمية في تونس و عاصمتها الأولى المهدية، وقد قام جوهر الصقلـي سنة 358( هـ / 969 م ) ببناء سور حول ثلاث مدن (الفسطاط والقطائع والعسكر)، وقام بتسمية المدن الثلاث القاهرة، والتي تقع على ساحل النيل في طرفه الشمالي الشرقي، قبل القاهرة في مكانها الحالي بحوالي ميلين، وكان النيل عندها ينقسم إلى قسمين، وموضعها كان فضاءً ومزارعَ بين النيل والجبل الشرقي ليس فيه من البناء والعمارة سوى حصن بابليون الذي يطل على النيل من بابه الغربي الذي يعرف بباب الحديد، واستفادت الفسطاط من موقعها على النيل بنتيجتين، فقد يسّر النيل للأهالـي سبل الحصول علـى الماء من جهة، وخدم توسعها العمراني من جهة ثانية. (2) فكانت القاهرة بموقعها الجغرافي تتحكم في طرق المواصلات التجارية الداخلية والخارجية بين مصر والشام، وبين مصر والحجاز، وقد اكتشف هذا الموقع الاستراتيجي الفراعنة و البابليون والرومان، فاتخذ منه الفراعنة مكاناً لمدينة كبيرة، ثم جعلها البابليون مكانًا لاستقرارهم عند نزولهم في مصر، ثم اتخذه الرومان مقراً لدفاعهم يصلون به الوجهين البحري والقبلي، ويدفعون منه كل معتد خارجي على مصر، والقاهرة من حيث المناخ، تتبع المناخ شبه الصحراوي، فهي حارة نهارًا وباردة ليلاً، لا ينزلها المطر إلا نادرًا كما هو الحال في باقي إقليم مصر ما عدا الاسكندرية. (3) وتعاقب على حكم مصر العديد من الحكام وظلت القاهرة عاصمة لمصر إلى أن اعتلى الخديوي إسماعيل حفيد محمد علـي باشا مؤسس النهضة الحديثة فـي مصر وابن إبراهيم باشا ـــــــــــــــــــ 1- أحمد محمد عوف: موسوعة حضارة العالم، ج6 الموسوعة الحرة، ويكبيديا، 31-9-2008م. 2- علي مبارك: الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة، ج1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م، ص ص 4- 5. 3- علماء الحملة الفرنسية، ترجمة زهير الشايب: موسوعة وصف مصر، مكتبة نهضة مصر للطباعة والنشر، ج4، 2002م، ص ص 224- 229. الفاتح العظيم حكم مصر ، وهو مـن الشخصيات الهامة والبارزة في تاريـخ مصر الحديث إبان القرن التاسع عشر الميلادي، لقد حكم مصر الخديو إسماعيل سبعة عشر عاماً (1863 – 1879م) وترك حكمه دون إرادته، وبغض النظر عن سياسة إسماعيل المالية من الاستدانة التي سببت إغراق مصر في الديون وكذا التدخل الاجنبي الذي كان تمهيداً للاحتلال البريطاني لمصرنا الحبيبة، وبعيداً عن سياسته الداخلية والخارجية ووقوفه في وجه التدخل الأجنبي السافر وشجاعته في مقاومـة الدول الأوروبية وعدم اكتراثه بكرسي الحكم في سبيل دفاعه عن حقوق البلاد.. البلاد التـي أحبها وعشقها، وبعيداً عن نفيه وغربته عن وطنه، ثم وفاته وعودته عكس ما كان يريد أن يعود، فقد عاد جثماناً، فقد أحب إسماعيل مصر حباً جماً وعشقها عشقاً جميلاً، فأبدع وجمل مصرنا العزيزة.. وعليه سوف نتناول بعضاً من هذا الابداع والجمال. رغم اختلاف المؤرخين حول الخديوي إسماعيل وفترة حكمه إلا أنه اهتم كثيراً بالناحية العمرانية والجمالية وتحسين البيئة المصرية من خلال التعليم والزراعة والصناعة والعمران والصحة واللمسة الجمالية لعاصمة البلاد .. القاهرة. ويقول "الرافعي" بأن ميول اسماعيل اتجهت نحو تنظيم المدن وتخطيطها وتجميلها خاصة مدينة القاهرة، فكان بحق باني القاهرة الجديدة بشوارعها وميادينها وحدائقها وعمائرها ونظافتها، فقد أدرك اسماعيل منذ دراسته بباريس بأهمية التحديث والعناية بالبيئة فتجلت أعماله في فتح الشوارع والميادين والاحياء الجديدة وتجميل المدينة وتوفير الهواء النقي من خلال المتنزهات والحدائق، لذا كانت له اللمسة الجمالية في المدينة العريقة. (1) وقد تأثر إسماعيل بالحضارة والعمران في باريس، وعندما عاد منها أراد أن يطور عاصمة البلاد وأن تُخطّط على الطراز الأوروبي، لذا عهد إلى المهندس الفرنسي جورج هاوسمان "George Haussman" رئيس بلدية باريس، صاحب مدرسة تنظيم المدن الحديثة، ومخطط العاصمة الفرنسية التي اقتدت بها كثير من مدن أوروبا في تخطيط عواصمها في القرن التاسع عشر، عهد إليه تخطيط القاهرة.(2) ـــــــــــــــــــ 1- عبد الرحمن الرافعي: عصر لإسماعيل، ج2، ط4، دار المعارف، 1987م، ص ص 29، 30. 2- عبد المنعم إبراهيم الجميعي: المجلة التاريخية المصرية، الخديو إسماعيل وبناء القاهرة الحديثة (مشروع باريس الشرق)، الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، الجلد رقم (41)، 2001 – 2002م، ص 95. كما عهد إلى "علي باشا مبارك"* إعداد برنامج شامل لتخطيط وتطوير القاهرة الحديثة، وقد أسند إليه "ديوان الأشغال العومية" عقب عودته من باريس. (1) كان إسماعيل شغوفاً بحب البناء والشكل الجمالي، وأبدى اهتماماً كبيراً ببناء القصور كقصر عابدين والاسماعيلية الصغير والجيزة والجزيرة وقصر القبة وبولاق وقصر الزعفران بالعباسية، وغيرها بالاسكندرية والمنصورة والمنيا والروضة، كما اهتم بتنظيم القاهرة فأنشأ كوبري قصر النيل البديع ليصل الجزيرة بمصر، وربطها بجسر بالجيزة وهو كوبري البحر الأعمى (كوبري الجلاء حالياً) ، كما اهتم أيضاً بالبيئة والصحة فعمل على غرز الاشجار وتشييد الحدائق الغناء والاعتناء بالمناظر الطبيعة الرائعة وبناء المستشفيات. (2) والطرق المعبدة وأهمها الطريق المعبد بين القاهرة والأهرامات الذي رصف بالحجارة سنة 1869م بمناسبة دعوة الخديوى إسماعيل أباطرة و ملوك العالم و منهم الامبراطورة أوجيني إمبراطورة فرنسا و فرنسوا جوزيف إمبراطور النمسا وملك المجر وولى عهد بروسيا والأمير هنرى شقيق ملك هولندا و سفيرا إنجلترا و روسيا بالآستانة وذلك لحضور حفل افتتاح قناة السويس16 نوفمبر سنة 1869م. (3) وتعد فترة حكم الخديو إسماعيل من أفضل فترات تجميل وتطوير مدينة القاهرة خاصة أن محمد علي باشا لم يكن يهتم بالعمران وكان لديه اهتمامات أخرى على رأسها الاقتصاد والصناعة ـــــــــــــــــــ * ولد علي مبارك في قرية برنبال الجديدة التابعة لمركز دكرنس محافظة الدقهلية سنة 1824م ونشأ في أسرة كريمة وحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة ثم التحق بمدرسة الجهادية، ثم انتقل إلى المدرسة التجهيزية بعد الغاء مدرسة الجهادية، ثم المهندسخانة سنة 1839م، وكان ضمن طلاب البعثة المصرية التعليمية إلى فرنسا وكان من بين أعضاء هذه البعثة نجلا محمد علي، الاميران حسين بك وحليم بك، واثنين من احفاده هما الامير أحمد بك واسماعيل بك (خديوي مصر). للتفاصيل أنظر: محمد عمارة: علي مبارك: مؤرخ ومهندس العمران، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1984م، وانظر أيضاً: حسين فوزي النجار: علي مبارك أبو التعليم، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1967م. 1- عرفه عبده علي: القاهرة في عصر إسماعيل، الدار المصرية اللبنانية، 1998م، ص 29. 2- علي مبارك: الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة، مرجع سابق، ص ص 85، 86. 3- محمد صبري: تاريخ مصر من محمد علي إلى العصر الحديث، مكتبة مدبولي القاهرة، ط2، سنة 1996م، ص 143. وبهما وضع أساس مصر الحديثة ، أما إسماعيل فقد وضع جل اهتمامه في العمران وخاصة مدينة القاهرة، فظهرت العديد مـن الانجازات المعمارية والتـي بنيت على الطراز الأوروبـي وانشاء الحدائق العامة وبناء المسرح القومي ودار الأوبرا التي احترقت في 28 أكتوبر من عام 1971م والتي كانت بمثابة صدمة كبيرة للمصريين وللتاريخ، و يعد تمثال إبراهيم باشا في ميدان الاوبرا من المظاهر المعمارية الجمالية. (1) فبناء العمارة على الطراز الأوروبي في عصر إسماعيل قد غير الوجه العمراني لمصر حتى أن "علي مبارك" وصف انتشار المباني في ذلك العصر بانها مزيج من المباني الأوروبية بتنوعها وزينتها وزخرفتها ومراعاتها للأبعاد البيئية، وتغير القاهرة عن ما قبل هذا العصر فتحولت تحولاً كبيراً وملموساً واتسمت بالمناظر الجمالية وتعد بحق باريس الشرق.(2) وعليه فقد انعكس ذلك على مظاهر التطور الاجتماعي، فأقبل سكان القاهرة على الرياضة والتنزه، فأخذوا يرتادون الحدائق والمتنزهات والضواحي خاصة بعد إنشاء كوبري قصر النيل وفضل العديد من الناس التنزه تجاه كوبري قصر النيل البديع بعد أن كانت شبرا هي متنزه سكان القاهرة من قبل، ثم أخذ الناس يتحولون إلى كوبري قصر النيل والحدائق الغناء ومشاهدة المناظر الطبيعية الرائعة. ورغم التطوير الذي أحدثه الخديو إسماعيل على مدينة القاهرة إلا أنه لم يهدم الاحياء القديمة كما حدث فـي مدينة باريس، فقد قرر بناء مدينة جديدة تماماً إلـى الغرب مباشرة من المدينة القديمة، وأتى بالمهندسين المعمارين الأوروبيين إلى القاهرة ليبدأ بعد ذلك أكثر فترات البناء ديناميكية في مصر منذ العصر المملوكي ، وتبقى مبانـي القاهرة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مذهلة، لكنها مهملة يهددها التلوث وتهدم لتقام مكانها الأبراج الخراسانية خاصة بعد عام 1953. (3) ـــــــــــــــــــ 1- منير السمري: أخبار الأدب، العدد 790، 31 أغسطس 2008م. 2- محمد حسام إسماعيل: أخبار الأدب، العدد 790، 31 أغسطس 2008م. 3- دار الخليج للطباعة والنشر، 24 – 10 - 2008م، نقلاً عن، سينثيا مينيتي، ترجمة أحمد محمود: "قاهرة إسماعيل.. باريس على ضفاف النيل" المركز القومي للترجمة، جمهورية مصر العربية. كما كانت القاهرة في عصر إسماعيل تشغل ثلاثة أضعاف مساحة باريس وكانت في جمالها أبدع من باريس، ومدينة القسطنطينية كانت تتضائل بجوارها، فالقاهرة عاشت في هذا العصر فترة من أجمل فترات حياتها بما تهيأ لها من أسباب الرقي والرفاهية، وأنها بلغت حينئذ من الشهرة العالمية ما لم تبلغه في أي عصرمن عصورها السابقة، وعلى سبيل المثال كانت حديقة الأزبكية أزهى حدائق العالم، ودار الأوبرا كانت من أكثر دور للموسيقى والتمثيل سعة وفخامة(1) ، ولكن تبدل حالها من الجمال والرقي إلى الأبنية الأسمنتية المتراصة والتي تخلو من المساحات الخضراء وكذا ظهور العشوائيات مما أفقدها سحرها وجمالها. كما أدخل الخديو إسماعيل على القاهرة كثير من التحسينات والتعديلات، منها ردم البرك وتمهيد الطرق ورصفها وإنشاء الميادين التي أقيمت في وسطها التماثيل، فغدت القاهرة وكأنها باريس الشرق، كما كانت المساحات الخضراء تمثل جانباً شديد الأهمية في عهد إسماعيل، فمنها بساتين الأورمان التي كانت تشغل مساحة 465 فداناً، ونسقت بها الأشجار النادرة المستوردة من أوروبا وأفريقيا والهند والصين، وكذا حديقة الأزبكية التي كانت حينذاك تحفة معمارية وزراعية، ومن الحدائق التي أنشئت في عهده أيضاً حديقة الاسماك، وحدائق حي الاسماعيلية الذي كان بمثابة حديقة كبيرة ، حيث كان كل مبنى محاطاً بالأشجار والأزهار، ولاهتمام اسماعيل بتجميل البيئة المصرية فقد بعث قنصل الولايات المتحدة إلى وزارة الخارجية الأمريكية في 15 سبتمبر سنة 1873م برسالة وكان نصها.."بلغ التجميل والتغيير في مدينة القاهرة منذ بضع سنوات مدى يصعب على الأجنبي تقدير طبيعته ومداه حق التقدير"، كما قال السير "صمويل بيكر" في نفس العام في كتابه الاسماعيلية "إن مصر وحدها هي التـي تستطيع تمدين أفريقيـة النيلية إلـى خط الاستواء، وبذلك تطمئن لحياة السائحين فـي تلك الاقطار، كما أورد المسيو سواتزارا قنصل النمسا في عهد إسماعيل بأن الاقطار السودانية التي كانت مقفلة قد فتحت للتجارة والرحلات، مما مهد السبيل لدخول الحضارة إليها". (2) ـــــــــــــــــــ 1- عرفة عبده علي: القاهرة في عصر إسماعيل، مرجع سابق، ص 150. 2- عرفة عبده علي: المرجع السابق ص ص 52- 55. نقلاً عن: عماد رمضان سليمان: فعالية تضمين البعد البيئي فـي مقرر الدراسات الاجتماعية علـى التحصيل وتنمية الاتجاهات البيئية لدى تلاميذ الصف الثالث الاعدادي، رسالة ماجستير، معهد الدراسات والبحوث البيئية، جامعة عين شمس، 2002م، ص ص 273، 275. كما اشتهرت في عصر إسماعيل مدن عديدة كمدينة حلوان الجميلة التي تقع جنوب القاهرة ذات الشوارع المستقيمة والحدائق الغناء في عصر إسماعيل ومياهها الكبريتية وهوائها النقي والتي كانت منتجعاً سياحياً علاجياً في فصل الشتاء فقد كان يفد إليها السياح الأجانب خاصـة من الدول الاسكندينافية من القارة الأوروبيـة وكذا المصرييـن للاستشفاء وعـلاج بعض الأمراض مثل الروماتيزم والأمراض الجلديـة، وحينها أشارت جريدة الوقائع في عددها الصادر في 13 يناير سنة 1874م إلى ما شهدته حلوان من إقبال وعمران نتيجة اهتمام الخديو إسماعيل بها،(1) ونرى الآن تحولها المميت بعد إنشاء مصانع الأسمنت* والحديد والصلب مما أدى إلى تلوث الهواء، فأصبح التلوث سمة الحياة في حلوان، فقد تحولت إلى مدينة ملوثة بنسبة 100% نتيجة السياسة العشوائية والتخطيط غير السليم للتوطن الصناعي والعمراني.(2) وإذا كان محمد علي اهتم كثيراً بالنظافة العامة في شوارع القاهرة وإنارتها وتوسعتها والتخلص من الانقاض ومد شبكة جديدة لمياه الشرب النقية وكذا كنس ورش الشوارع وتنظيف الاسواق وهو أول من شرع قوانين للمحافظة على البيئة، فيقول الرحالة "سان جون" في عام 1832م كانت الشوارع في القاهرة نظيفة وملفته للنظر إذ يتم كنسها ثلاث مرات يومياً، وتنقل القمامة خارج المدينة.(3) ـــــــــــــــــــ 1- عرفه عبده علي: القاهرة في عصر إسماعيل، مرجع سابق، ص 87. * أكدت وكالة الانباء السعودية (SPA) في 12 أكتوبر 2008م،بأنه أكد أحدث تقرير مصري أن المخلفات الناتجة عن مصانع الأسمنت في مصر والتي تبلغ نحو‏ 1,5‏ مليون طن سنويا تصيب السكان بالعديد من الأمراض الخطيرة وتسهم في تلوث البيئة‏، وتوصل الجهاز المركزي للمحاسبات من خلال تقرير أعده إلى ارتفاع أعداد مصانع الأسمنت في مصر إلى 15 مصنعا منتجا بطاقة إنتاجية تبلغ 35 مليون طن سنويا عام 2007م يستحوذ على رؤوس أموال 14 شركة منها مستثمرون أجانب مؤكدا أن تلك المصانع ينتج عنها مخلفات تتمثل في تراب الأسمنت المعروف بتراب‏ /‏ الباي باص /‏ والذي يبلغ نحو ‏4106‏ طنا يوميا بواقع ‏5ر1 مليون طن سنويا تسهم في تلوث البيئة الهوائية وإصابة السكان بالعديد من الأمراض منها التحجر الرئوي وأمراض ضيق التنفس وسرطان الرئة والتهاب الجلد والعين والسعال الحاد والالتهاب المزمن للأنف. 2- منى قاسم: التلوث البيئي والتنمية الاقتصادية، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط3، 1997م، ص 103. 3- جمال بدوي: محمد علي وأولاده، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999م، ص 36. فكان عصرإسماعيل امتداداً لتلك الاعمال بل تخطى ذلك بأن جعل القاهرة تفوق عواصم أوروبا، وكان تحديثها بالنسبة لإسماعيل رمزاً لارتقاء مصر حضارياً وتجسيداً لرغبته في أن يشهد الغرب عاصمة أوروبية في مصر ألا وهي القاهرة تحكم دولة عصرية تقوم على ضفاف النيل، تمتد من الاسكندرية شمالاً إلى الخرطوم جنوباً، وهو صاحب المقولة الشهيرة (أن جذور مصر في أفريقيا وفروعها في أوروبا)، لذا اهتم إسماعيل بالمحافظة على الصحة والنظافة ومن مظاهر ذلك وفر أسباب النظافـة والصحة لتوجيه مصر نحـو المدينة العالميـة وإلباسها مظاهر النهضة الحديثة، فقاهرة إسماعيل فاقت كل ما سبق حكـام الأسرة العلويـة. (1) فكانت المسائل الصحيـة موضع عناية إسماعيل وشاركه في هذه العناية نوابغ الأطباء في مصر الذين عملوا على تحسين أحوال البلاد الصحيـة ومقاومـة الأمراض ومكافحة الأوبئـة ، وكان للإدارة الصحيـة فضل كبير في مقاومة الامراض وخاصة وباء الكوليرا الذي حل بالبلاد سنة 1865م، وتتجلـى هذه العناية فـي إنشاء المستشفيات وتنظيم مهنة الصيدلة وإنشاء حمامات حلوان المعدنية للاستشفاء وعدم ذبح الحيوانات إلا داخل السلخانات حفاظاً على البيئة من التلوث والوقاية من الأمراض. (2) وقد تطلب تحديث القاهرة تسوية الأرض الخراب حولها وفتح طرق رئيسية وشرايين مواصلات جديدة، وإنشاء ميادين وأماكن مفتوحة ومساحات خضراء وزرع أشجار، وبناء المصارف والنظافة المنتظمة، وكان هذا التنظيم يتطلب بدوره إزالة بعض التجمعات العشوائية من الداخل، ومن الشوارع التي تم تجديدها شارع محمد علي ويشير هنا "علي مبارك" بأن هذا الشارع من أعظم ما تم إنجازه في مدينة القاهرة وتحول من مكان ملئ بالقاذورات إلى مكان يوازي أعظم مواقع القاهرة.(3) ويتضح كما ذكرنا سالفاً اهتمام الخديوي إسماعيل بالنهوض بمصرنا العزيزة في جميع المجالات، فيُعد عصـر إسماعيل أكثر عصورنا التاريخيـة الحديثة ثراءً وحركة شاملة والأخذ بأسباب الارتقاء الحضاري فـي العمران والزراعة والصناعة والتجارة والتعليم والقضاء والنظم ـــــــــــــــــــ 1- عرفه عبده علي: مرجع سابق، ص ص 15 - 27. 2- عبد الرحمن الرافعي: عصر إسماعيل، ج2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2000م، ص 23. 3- عرفه عبده علي: مرجع سابق، ص ص 37 – 38. السياسية والإدارية وتجميل البيئة من تعمير الأحياء القديمة بالقاهرة وإصلاح مداخلها، فمن أعماله تزويد القاهرة بالمياه الصالحة للشرب وانارتها بالمصابيح ، وردم البرك والمستنقعات المنشرة بها وإزالة الركامات والاتربة التي كانت تحيط بالمدينة والتي كان قد بدأ محمد علي باشا في ازالتها، والرعاية الصحية والاهتمام بالآثار المصرية وإنشاء المباني العامة والتي تمثلت في دار الكتب المصرية والجمعية الجغرافية ودار الأوبرا ودار الآثار العربية وغيرها ومحطات للسكك الحديدية، فكان يتميز ببعد النظر والجرأة والقدرة على التأمل على غرار مؤسس الأسرة العلوية، وعمل على تطوير وتحديث القاهرة على النسق الأوروبي من خلال التخطيط لأحياء جديدة.(1) ولذا غدت القاهرة .. قاهرتان، القاهرة المعزية القديمة، وقاهرة إسماعيل كما رآها من إبداع وجمال. ماذا حدث لباريس الشرق؟ فقد اختلفت الآن عن مثيلتها في فرنسا فلم يعد يوجد تشابه بين المدينتين الآن، فلا شواطئ النيل كشواطئ نهر السين ولا حديقة الأورمان بجمال ونظافة أصغر حدائق باريس ولا بنايات وقصور القاهرة القديمة والتي تتداعى من جراء الإهمال تذكرك بجادات باريس الفاخرة، وحتى كوبري قصر النيل الذي كان يعتبر اَنذاك من أجمل جسور العالم بعد أن زينه الخديوي اسماعيل بأربعة تماثيل لأربعة من السباع المصنوعين من البرونز نحتها أشهر نحاتي ذلك العصر، كل هذا يتحول الآن الى خرائب ويتساءل الكثيرون عن المسئول وغالباً ما تسمع إجابات مختلفة فالمواطن المصري يرمي المسئولية على الحكومة، والحكومة تتهم المواطن بالإهمال، ولكن لابد الآن أن تتضافر الجهود من قبل المسئولين والمواطنين لإنقاذ القاهرة القديمة، قاهرة الخديوي اسماعيل . والواقع المرير أن القاهرة قد تغيرت تغيراً جذرياً وتحولت من المدينة الجميلة والعمائر الفخمة إلى مساكن سيئة تفتقر اللمسة الجمالية ولا تصلح للسكن الآدمي مثل مساكن عين الصيرة التي أنشئت في أعقاب 23 يوليو 1952م، وتحول منطقة حلوان الجميلة ذات الحدائق الغناء والهواء النقي والمياه المعدنية والتي كانت من معالم السياحة العلاجية إلى منطقة مليئة بالتلوث والهواء الملوث وكذا افتقارالمياه المأمونة والتي لا تصلـح للشرب ، وذلك بسبب المصانع التـي ـــــــــــــــــــ 1- جى فاجيت: ترجمة محمد رفعت عواد: محمد علي "مؤسس مصر الحديثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة 2005م ، ص 215. أنشئت بها في عهد "جمال عبد الناصر" فتبدلت من الاستشفاء من الامراض إلى التسبب في الأمراض في حين أن في مصر مساحات شاسعة غير مستغلة يمكن إنشاء هذه المصانع عليها والحفاظ على جمال ونقاء حلوان. وخلاصة القول لقد تحولت قاهرة إسماعيل من نظافة الشوارع بكنسها ورشها وهوائها النقي وعمائرها الجميلة وحدائقها الغناء وقصورها الفخمة والمساحات الخضراء التي كانت تمثل جانباً شديد الأهمية في النسيج الحضري لمدينة القاهرة وتطورها خلال القرن التاسع عشر الميلادي، قد تحولت إلى أمكنة تلقى بها القمامة ، والازدحام الشديد بسبب الهجرات الداخليـة إلى مدينة القاهرة ، والقرارات العشوائية، وظهور العشوائيات التي تعد بؤرة للفساد ، ومظاهر السلوك الخاطئ لدى الأفراد، وتخلي معظم الناس عن الاهتمام بالنظافة والمحافظة على المدينة التي تعاني الكثير، وكذا كثرة السيارات التي تسببت في أزمات مرورية بصفة مستمرة وتلوث الهواء وظهور السحابة السوداء،* وغير ذلك من السلبيات التي تعاني منها باريس الشرق التي خلعت ثوبها الجميل وتخلت عنه رغم إرادتها. وبعد كل ما تتعرض له مدينة القاهرة من مشكلات بيئية تعود في معظمها إلى السلوك الإنساني السئ الذي يسلكه بدون وعي، فضلاً عن سوء التخطيط والقرارات غير الرشيدة، فمن الأهمية تثقيف المواطن بمشاكل البيئة، والتنوير والتنور بقضاياها، وترشيد سلوكه، وتبصيره بالتوابع البيئية لافعاله وممارسته، حتى يستعيد الانسجام بين حياته ومتطلباتها، وبين الاتزان السليم والتواؤم في النظم البيئية التي يعيش في إطارها، خصوصاً عندما يتولى مسئولياته التخطيطية والتنفيذية في مجالات الإعمار والبناء واستخدام الأرض والتخطيط والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.(1) ـــــــــــــــــــ * السحابة السوداء: تظهر في الخريف من كل عام وهي مظهر للتلوث الدائم طوال العام وقد بدأت هذه الظاهرة تظهر في خريف 1999م، حتى الآن الأمر الذي أدى إلـى أن معاناة المواطنين لا تزال مستمرة حتى الآن، ورغم هذا فجميعنا يجب أن ندافع عن بيئة نظيفة صحية خالية من السموم. للتفاصيل أنظر: حسن أحمد شحاته: تلوث البيئة "السلوكيات الخاطئة وكيفية مواجهتها"، الدار العربية للكتاب، القاهرة، سنة 2000م، ص ص 172 - 183. 1- زكريا طاحون: اخلاقيات البيئة وحماقات الحروب، مجلة القراءة والمعرفة، كلية التربية، جامعة عين شمس، العدد 13، سنة 2002م، ص 183. وعليه فمن الضروري وضع استراتيجيات للتطوير الحضري بحيث لا يؤثر على البيئة الطبيعية وكذا على الأبنية القديمة التي يجب المحافظة على عمائرها ومبانيها الأثرية وحمايتها،(1) فالبيئة هي التراث المشترك للبشرية، كما انه من الضروري تكوين سلوك سليم للفرد تجاه البيئة والالتزام بالاخلاق البيئية سواء كانت البيئة الطبيعية أو البيئة المشيدة فهي تشكل سياق الحياة والثقافة الإنسانية معاً، واستثمار طاقة الفرد لحماية البيئة وذلك للوصول لأسمى الغايات ألا وهو المحافظة على صحة الإنسان(2). فقد آن الآوان أن نعمل قدماً وساقاً على عودة النقاء لمدينة القاهرة ووقف استنزافها ولا يتأتى ذلك إلا بالإيمان والإخلاص في العمل كمسئولين ومواطنين ، واتخاذ قرارات مدروسة.. قرارات علمية تساعد على إيجاد حلول لعودة القاهرة إلى ما كانت عليه في عصر إسماعيل. من الممكن أن يتحقق ذلك الحلم الجميل من خلال الآتي: 1- تنمية الوعي البيئي بالنسبة للأفراد وعامـة الناس عن طريق المناهـج الدراسية والمؤسسات الاجتماعية والدينية والجمعيات الأهلية والندوات ووسائل الإعلام.
2- تضمين الأبعاد البيئية وحل المشكلات البيئية التي تعاني منها القاهرة بالمناهج الدراسية من أجل احترام البيئة والمحافظة عليها.
3- غرس القيم الجمالية لدى الأفراد والجماعات.
4- اتخاذ القرارات الصائبة من قبل المسئولين لحماية القاهرة من التلوث.
5- تفعيل القوانين التي تحمي مدينة القاهرة من تلوث الهواء وخلق بيئة نظيفة غير ملوثة.
6- إيجاد حلول سريعة وآمنة للتخلص من المخلفات التي تكتظ بها شوارع العاصمة.
7- تفعيل القوانين الرادعة لمنع إشغال الأرصفة والطرق التي تهدد سلامة الناس.
8- وضع استرتيجيات لمنع حدوث مشكلات بيئية وتفادي وقوعها.
9- وضع خطط للتخفيف من أعباء مدينة القاهرة.
ـــــــــــــــــــ 1- Paul P. & et, al:" Ethics and Values in Environmental Policy", The White Horse Press, Environmental Values, V2, 1993, pp137-157.
2- Nigel Dower: Human Development - Friend or Foe to Environmental Ethics?, The White Horse Press, Environmental Values, V 9, 2000, pp 39-54.
10- تشييد مدينة جديدة في الصحراء الغربية جعلها عاصمة لمصر لانقاذ القاهرة من الموت الحقيقي.
11- منع الهجرات من الريف إلى مدينة القاهرة للحد من الازدحام.
12- تنفيذ مشروع الحزام الأخضر حول مدينة القاهرة.
13- اهتمام كافة الاجهزة المعنية بالعدل البيئي، واحترام البيئة سواء كانت طبيعية أو مشيدة.
14- جعل فكرة العدل البيئي جزءاً أساسيا في عمليات اتخاذ القرارات.
15- عدم المساس في المستقبل بالعدل البيئي والحق بالعمل والعيش في بيئة سليمة.
16- حماية البيئة التاريخية والمحافظة على المباني والعمائر الأثرية من خطر الهدم.
17- تغيير قيم ومعتقدات الناس تجاه البيئة والمحافظة عليها.
18- تخطيط وتطوير المناطق التاريخية والتراث الأثري في مدينة القاهرة.
19- تعميق الوعي والثقافة البيئية بين كافة قطاعات وشرائح المجتمع المحلي، وتحفيزهم على المشاركة بإيجابية في حماية بيئتهم والمحافظة عليها.
20- إعادة صياغة الرؤية الجمالية العامة لجميع البيئات التاريخية، وإزالة التعديات والتشوهات الحالية.
21- وضع برامج واولويات لترميم وصيانة المبانى وسرعة انقاذها من عوامل التدهور.(1)
22- الاستفادة من الخبرات الدولية فى مجال الحفاظ على التراث مثل اليونسكو .
23- الاستعانة بالصور القديمة التى توضح اصل شكل المبانى التراثية وعمل دراسة لإزالة التشوهات بواجهات المبانى.
24- التسجيل والتوثيق وعمل سجل يتضمن كافة البيانات لمبانى القاهرة الخديوية.
25- انشاء جهاز فنى يضم ذوى الخبرات فى مجال الحفاظ على التراث والترميم المعمارى وادارة المواقع التاريخية.
26- تعويض ملاك العقارات ذات القيمة التراثية واعفائهم من الضرائب العقارية.
27- توعية مهندسو الاحياء بأهمية الحفاظ على المبانى التراثية والاهتمام برصد المخالفات وعمل اللازم نحوها.
ــــــــــــــــــــــ 1- يوسف عمر محمد الرافعي وآخرون: تدهور وضياع عمران قاهرة الخديوى إسماعيل، "مؤتمر الأزهر الدولي التاسع"، مجلة جامعة هندسة الأزهر، الجزء 2، العدد 8، 12 -14 أبريل 2007م، ص 214. المراجع أولاً- المراجع العربية:
1- أحمد محمد عوف: موسوعة حضارة العالم، ج6 الموسوعة الحرة، ويكبيديا، 31-9-2008م.
2- جمال بدوي: محمد علي وأولاده، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999م.
3- جى فاجيت: ترجمة محمد رفعت عواد: محمد علي "مؤسس مصر الحديثة"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة 2005م.
4- دار الخليج للطباعة والنشر، 24 – 10 - 2008م، نقلاً عن، سينثيا مينيتي، ترجمة أحمد محمود: "قاهرة إسماعيل.. باريس على ضفاف النيل" المركز القومي للترجمة، جمهورية مصر العربية.
5- زكريا طاحون: اخلاقيات البيئة وحماقات الحروب، مجلة القراءة والمعرفة، كلية التربية، جامعة عين شمس، العدد 13، سنة 2002م، ص 183.
6- شحاته عيسى إبراهيم: القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001م.
7- عبد الرحمن الرافعي: عصر لإسماعيل، ج2، ط4، دار المعارف، 1987م
8- عبد الرحمن الرافعي: عصر إسماعيل، ج2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،2000م.
9- عبد المنعم إبراهيم الجميعي: المجلة التاريخية المصرية، الخديو إسماعيل وبناء القاهرة الحديثة (مشروع باريس الشرق)، الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، الجلد رقم (41)، 2001 – 2002م.
10- عرفه عبده علي: القاهرة في عصر إسماعيل، الدار المصرية اللبنانية، 1998م.
11- علماء الحملة الفرنسية، ترجمة زهير الشايب: موسوعة وصف مصر، مكتبة نهضة مصر للطباعة والنشر، ج4، 2002م.
12- علي مبارك: الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة، ج1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م.
13- عماد رمضان سليمان: فعالية تضمين البعد البيئي فـي مقرر الدراسات الاجتماعية علـى التحصيل وتنمية الاتجاهات البيئية لدى تلاميذ الصف الثالث الاعدادي، رسالة ماجستير، معهد الدراسات والبحوث البيئية، جامعة عين شمس، 2002م.
14- محمد حسام إسماعيل: أخبار الأدب، العدد 790، 31 أغسطس 2008م.
15- محمد صبري: تاريخ مصر من محمد علي إلى العصر الحديث، مكتبة مدبولي القاهرة، ط2، سنة 1996م.
16- منى قاسم: التلوث البيئي والتنمية الاقتصادية، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط3، 1997م.
17- منير السمري: أخبار الأدب، العدد 790، 31 أغسطس 2008م.
18- يوسف عمر محمد الرافعي وآخرون: تدهور وضياع عمران قاهرة الخديوى إسماعيل، "مؤتمر الأزهر الدولي التاسع"، مجلة جامعة هندسة الأزهر، الجزء 2، العدد 8، 12 -14 أبريل 2007م.
ثانياً- المراجع الأجنبية: 1- Nigel Dower: Human Development - Friend or Foe to Environmental Ethics?, The White Horse Press, Environmental Values, V 9, 2000, pp 39-54.
2- Paul P. & eatl:" Ethics and Values in Environmental Policy" The White Horse Press, Environmental Values, V2, 1993, pp137-157.
تصنيف هولمز Holmes للقيم البيئية الطبيعية
وضح هولمز بأن هناك قيم تتحكم في العلاقات الإنسانية بالطبيعة على الرغم من المشاكل الذاتية والموضوعية في مهام القيمة، كما اعتبر أن الطبيعة تدعم قيم الإنسان وتجعله يقدر قيمة الموارد البيئية ، وفي بعض الأحيان يقوم الإنسان بنشاط بنائي معتمداً على دعم الطبيعة .
صنف هولمز القيم الطبيعية إلى عشرة قيم كما يلي:
  1. قيمة اقتصادية economic value
  2. قيمة إنعاشية life support value
  3. قيمة ترفيهية recreational value
  4. قيمة علمية scientific value
  5. قيمة جمالية aesthetic value
  6. قيمة حياة life value
  7. قيم الوحدة والتنويع diversity and unity values
  8. قيم العفويّة والاستقرار stability and spontaneity values
  9. قيمة جدلية dialectical value
  10. قيمة مقدّسة sacramental value
دكتور/ عماد رمضان سليمان 21-1-2010
دور المعلم في التعليم الفردي
تشير العديد من الدراسات والبحوث التربوية مثل نادية (1991)(1)، و Thomas (1992)(2)، ونادرة (1992)(3)، و Fulwiler & Et.al (1997)(4)وZahorik (1999)(5) إلى أن برامج التعليم الفردي لا تحل محل المعلم، بل تحمل عنه تدريس أساسيات المادة، وتترك له أجزاء الموضوع الرئيسية التي تستدعي الشرح والمناقشة الجماعية، والتوجيه والإرشاد، وبداية فهو يقوم بصنع القرارات قبل أن يبدأ الدرس، وتتمثل هذه القرارات في تحديد الأهداف التعليمية المرجوة، ويستدعي التعليم الفردي من المعلم بذل جهد كبير وذلك فيما يلي:
1- تشخيص نقاط القوة والضعف وتحديد حاجات كل متعلم.
2- تزويد المتعلم بالمواد التعليمية المناسبة والوسائل التعليمية والأنشطة التعليمية.
3- تحديد الفترة الزمنية لإنجاز العمل.
4- تحديد شكل القاعة التعليمية أو الفصل.
5- متابعة تقدم المتعلم وتصويب مسيرته بشكل فوري.
6- وضع الخطط وتنظيم الأنشطة الخاصة التي يشارك فيها الطلاب مما يضمن تحقيق أهداف التعليم.
ويعتبر دور المعلم في تطبيق استراتيجية التعليم الفردي الموجه دوراً هاماً وإيجابياً في عملية التعلم، فيُعد المعلم موجهاً ومرشداً لطلابه، وبداية فهو يقوم بصنع القرارات قبل أن يبدأ المتعلم دراسة الموديول، وتتمثل هذه القرارات في تحديد الأهداف التعليمية، ولذلك لابد من أن يكون المعلم قادراً على تطبيق وتنفيذ تلك الاستراتيجية حتى تتحقق الأهداف التعليمية المرجوة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- نادية عبد العظيم محمد: الاحتياجات الفردية للتلاميذ وإتقان التعلم، ص 122.
2- Thomas, Alan J: Individualized teaching, OP. CIT, v18 n1 p63-64, 1992.
3- نادرة إبراهيم أحمد الجندي: أثر استخدام طريقة التعليم الفردي الإرشادي علـى تحصيل تلاميذ الصف السابع مـن مرحلة التعليم الأساسي لبعض مفاهيم مقرر العلوم ومدى احتفاظهم بالمادة، 1992.
4- Fulwiler, Betsy Rupp& Et.,al: Storypath: Powerful Social Studies Instruction in the Primary Grades OP. CIT, pp6-7 Jan-Feb 1997.
5- Zahorik, John A: OP. CIT v57 n1 p p 54-56 sep 1999.
دكتور/ عماد رمضان سليمان
مدينة نصر- 21-1-2010

الثلاثاء، يناير 19، 2010

مجرد أحلام
نائمين .... مستيقظين.... كما هي مجرد أحلام
نتمناها....... نتخيلها......... نعيش فيها في الصحو والمنام
نعيش في القصور....... ونجعل أنفسنا أبطالاً وفرساناً وملوك
فيها نشعر بالسعادة ........ كأننا نحيا في دنيا لا موت فيها ولا قبور
نرى في أحلامنا كل شئ جميل....... مثل المرأة ورائحة العطور
نعود من جديد ............ ونرى الواقع ......... من بيوت قديمة ومباني متهالكة نرى الغلبان ......والمتسول والصعلوك
دكتور/ عماد رمضان سليمان
مدينة نصر – 19-1-2010م
مجرد أحلام
  • أرسلت مصر منحة إلى الولايات المتحدة الأمريكية تقدر بنحو عشرة ملايين طناً من القمح
  • تمكنت مصر من الفوز بكأس العالم لكرة القدم وحصل اللاعب المصري الهوى هوايا على لقب احسن لاعب
  • تم ربط جميع الأراضي المصرية بشبكة خطوط بية تصل البحر الأحمر حتى الحدود الليبية ومن الالبحر المتوسط حتى الحدود السودانية
  • أصبحت كثافة الفصول في الدارس الحكومية المصرية لا تتعدى الـ 18 تلميذ
  • تم تعديل الدستور في الفقرات الخاصة بمدة رئيس الجمهورة ، ىفقد أصبحت فترة الرئاسة أربع سنوات فقط مدة ولايتين فقط بالانتخابات الحرة
  • اصبح متوسط الدخل للمواطن المصري 10 مليون جنيه سنوياً
  • تمكن مجموعة من الجولوجيين المصريين من استخراج حديد الهيماتيت من الصحراء الشرقية بأقل التكليف
  • تعمل الحكومة المصرية الآن من الحفاظ على العلماء المصريين وعودة الطيور المهاجرة
  • قام مجموعة من العلماء المصريين بغزو القارة القطبية الجنوبية (انتارتيكا) ورفع العلم المصري
  • تنتج مصر حالياً 50 مليون برميل من البترول يومياً وأصبحت في المرتبة الأولى في تصدير النفط
  • دكتور/ عماد رمضان سليمان
  • مدينة نصر - 19-1-2010
تصنيف القيم
ظهر في تاريخ الفكر الفلسفي اتجاهان أساسيان في تحديد طبيعة القيم فهي موضوعية قائمة في حد ذاتها بغض النظر عن أحاسيس ومشاعر الإنسان الشخصية ورغباته، كما أنها ذاتية ومن ثم فهي نسبية تتحدد في ضوء الرغبة الشخصية للإنسان التي بدورها تعطي القيمة الموضوعية أو السلوك الممارس. ويؤيد العديد من العلماء عملية تصنيف القيم إلى أنواع ومن هذه التصنيفات ما يلي:
أولاً- هناك من صنف القيم استناداً لنشأتها الزمانية والمكانية وذلك كما يلي:
1- القيم عند قدماء المصريين:
القيم عند قدماء المصريين ظهرت في صورة عقائد دينية تدعو إلى السلوك الطيب الذي يحقق ثلاث قيم كبرى هي: العدالة، الاستقامة، الفضيلة.
2- تصنيف القيم عند اليونانيين:
القيم عند السفسطائيين تختلف من فرد إلى آخر، فما يراه الفرد سلوكاً إيجابياً يراه آخر سلوكاً سلبياً، ويُعد ذلك إقرار نسبية الفضيلة لدى السفسطائيين. كما صنف أفلاطون القيم إلى ثلاث قيم رئيسية هي: الحق، الخير، الجمال.
ثانياً- هناك من صنفها في ضوء طبيعتها كما يلي:
1- قيم أصيلة وقيم مكتسبة:
أ -قيم أصيلة: مصدرها الأديان السماوية.
ب-قيم مكتسبة: هي التي يكتسبها الأفراد في المجتمع ومن خلال مراحل التعليم والعلاقات الاجتماعية.
2- قيم ذاتية Subjectivity وقيم موضوعية Objectivity
أ- قيم ذاتية: هي قيم نسبية ذاتية صادرة من مشاعر ومنفعة الإنسان، وسلوكه يتحدد وفقاً لرغباته وميوله، وقد يشار إلى بعض القيم الذاتية بأنها نفعية. ب- قيم موضوعية: هو الاتجاه الموضوعي الذي يرى أصحابه بأن القيم تعود إلى العقل أو الحدس دون الوجدان، وأن القيم الموضوعية قائمة بغض النظر عن ميول ورغبات الإنسان، ويدرك الخير ويميز بينه وبين الشر تلقائياً دون اعتبار لنتائج الأفعال وآثارها، والقيم الموضوعية بذلك لها وجود موضوعي مستقل عن الإنسان الذي يحكم بمقتضى القيم.
3- قيم نسبية وقيم مطلقة: يرى بعض الفلاسفة أن القيم نسبية ومتغيرة فهي تنشأ من خبرات الإنسان وهي في جوهرها أحكام وجدانية، وهي بطبيعتها أحكام نسبية تختلف من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى مكان آخر ومن فرد إلى آخر، ويرى البعض الآخر أن القيم مطلقة بمعنى أنها ثابتة ومستمدة من طبيعة الكون، لا تتغير بين الأفراد، ولا تتغير من مكان إلى مكان آخر، ولا من زمان إلى زمان آخر.
ثالثاً- كما أن هناك العديد من الباحثين صنفوا القيم على أساس أبعادها ومـن هذه التصنيفات ما يلي: 1- بُعد المحتوى: Dimension Of Content يعتبر تصنيف سبرينجر Spranger من أشهر تصنيفات القيم من حيث محتواها وقد صنف القيم إلى ستة مستويات وهي: أ- القيم النظرية: هـي التي تتميز باهتمام موجه للكشف عن الحقيقة، وبإتباع منهج علمـي تقويمـي، والفرد الذي يهتم بالقيم النظرية هو الذي يعتمد علـى الملاحظة والتفكير فـي الأشياء بقصد تحقيق المعرفة. ب- القيم الجمالية: يسعى الفرد الذي يهتم بمثل هذه القيم إلى التأكيد على تحقيق الشكل والتناسق والتناسب عندما يتعامل مع الأشياء. ج- القيم الاقتصادية: يؤكد أصحاب الاهتمام بمثل هذه القيم على النتائج العملية والمنفعـة التـي يمكن تحقيقها. د- القيم الدينية: يسعى الفرد الذي يهتم بالقيم الدينية إلى فهم الكون. هـ- القيم الاجتماعية: هي التـي يظهر فيها الحرص علـى التقدير والمكانـة الاجتماعيـة ، وتحقيق التعاطف بين الناس. و- القيم السياسية: هـي التـي يسعى من خلالها الفرد إلى تحقيق القوة والسلطة والقدرة علـى القيادة والتأثير في الآخرين.
2- بُعد المقصد: Dimension Of Intent تنقسم القيم من حيث مقصدها إلى قسمين هما: أ- القيم الوسائلية: وهي تلك القيم التي ينظر إليها الأفراد والجماعات على أنها وسائل لغايات أبعد. ب- القيم الغائية: وهي الأهداف والفضائل التي تضعها الأفراد لأنفسها، والواقع أنه من الصعب الفصل بين قيم الوسيلة وقيم الغاية كما أن التمييز بينهما ليس أمراً يسيراً.
3- بُعد الوضوح: Dimension Of Explicitness كما تنقسم القيم من حيث وضوحها إلى قسمين: أ- قيم صريحة أو ظاهرة: وهي تلك القيم التي يصرح بها ويعبر عنها الأفراد بالكلام. ب- قيم ضمنية: وهـي تلك القيم التي يستدل على وجودها من خلال ملاحظة الاختبارات والاتجاهات التي تتكرر في سلوك الأفراد.
4- بُعد الدوام: Dimension Of Permanency وتنقسم القيم من حيث دوامها إلى قسمين: أ-قيم عابرة: وهي القيم العارضة القصيرة الدوام السريعة الزوال مثل القيم المرتبطة بالبدع. ب- قيم دائمة: وهـي تلك القيم التـي تبقـى زمناً طويلاً فـي نفوس الأفراد يتناولها جيل عبر جيل كالقيمة المرتبطة بالعرف والتقاليد، والدوام هنا دوام نسبي.
5- بُعد العمومية: Dimension Of Generality كما تنقسم القيم من حيث انتشارها وشيوعها إلى قسمين: أ- القيم العامة: هي تلك القيم التـي يعم انتشارها فـي المجتمع كلـه بغض النظر عن طبقاته وفئاته وريفه وحضره. ب- القيم الخاصة: هـي تلك القيم المتعلقة بمواقف أو بمناسبات اجتماعية معينة أو بمناطق محددة، أوبجماعة خاصة.
6- بُعد الشدة: Dimension Of Intensity يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات لشدة القيم وإلزامها: أ- القيم الملزمة: وهي القيم التي تمس كيان المصلحة العامة والتي تتصل اتصالاً وثيقاً بالمبادئ التـي تساعد على تحقيق الأنماط المرغوب فيها التي تصطلح عليها الجماعة في تنظيم سلوك أفرادها. ب- القيم التفضيلية: وهـي تلك القيم التـي يشجـع المجتمع أفراده علـى التمسك بهـا ، ولكــن لا يلزمهـم مراعاتها إلزاماً يتطلب العقاب الصارم الصريح لمن يخالفها. ج- القيم المثالية: وهـي تلك القيم التـي يحس الأفراد استحالـة تحقيقها بصورة كاملة، إلا أنها كثيراً ما تؤثر تأثيراً كبيراً في توجيه سلوك الأفراد. وخلاصة القول أن هناك العديد من تصنيفات القيم فمنها قيم موضوعية وذاتية، و قيم أصيلة ومكتسبة، وأخرى نسبية ومطلقة، وقيم صنفت حسب نشأتها الزمنيـة والمكانيـة ، وأخرى صنفت من
حيث أبعادها، وعلى ذلك فنحن نتفق مع سورلي Sorley بأنه من المستحيل أن تكون هناك قاعدة يمكن على أساسها تحديد كل أنواع القيم، كما نتفق مع مقولة هندرسون Henderson أننا مادمنا في مجال البحث العلمي فإن أي تصنيف أياً كان أفضل من عدم التصنيف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- أحمد إبراهيم شلبي وآخرون: تدريس الدراسات الاجتماعية "بين النظرية والتطبيق" ، مرجع سابق، ص 31. 2- صابر عوض جيدوري: الثنائيات في فلسفة التربية المعاصرة، رسالة دكتوراه غير منشورة، معهد الدراسات والبحوث التربوية، جامعة القاهرة، 1998. 3- محمد مهران رشوان: تطور الفكر الأخلاقي في الفلسفة الغربية، القاهرة، دار قباء، 1998، ص 39. 4- مصطفى النشار: مدخل لقراءة الفكر الفلسفي عند اليونان، القاهرة، دار قباء، 1998، ص ص 71-89. 5- أسامة حسين إبراهيم باهـي: فلسفة القيم (رؤية فلسفية فـي عالم متغير من منظور إسلامي) ، التربية، مجلـة علمية محكمة للبحوث التربوية والنفسية والاجتماعية، العدد (108) ، كلية التربية، جامعة الأزهر، 2002، ص 10 6- أحمد الأنصاري: الأخلاق الاجتماعية عند برتراندرسل، القاهرة، مركز الكتاب للنشر، 2003، ص ص 73-74. 7- محمد مهران رشوان: تطور الفكر الأخلاقي في الفلسفة الغربية، مرجع سابق، ص ص 29-30. 8-Nick best: management of life for personal development, success and fulfillment, www.managementoflife.com ,2002.
دكتور/ عماد رمضان سليمان
مدينة نصر- 19-1-2010
مدخل التحليل القيمي والاجتماعي: Social Value Analysis Approach
يعتبر كل من J. Baks, Fraenkal,& M. Naughton من أوائل من نادوا باستخدام هذا المدخل في تنمية القيم، وذلك على اعتبار أنه يستند إلى تطبيق أساليب التفكير المنطقي على عملية التقييم، ويرجع استخدام وتطوير استراتيجية تحليل القيم إلى علماء علم الاجتماع، حيث تؤكد هذه الاستراتيجية على التفكير العقلاني، وتركز على القيم الاجتماعية وتطوير القيم الأخلاقية بدلاً من المعضلات الأخلاقية الشخصية.
وتستند هذه الاستراتيجية على العقلانية والتجريبية أي على التفكير والتجريب، و يجب أن تجري عملية التقييم من خلال مجموع الحقائق، والسبب يرجع إلى أن عملية التقييم لا تتم بقواعد القلب والضمير أي المشاعر والأحاسيس، ولكن بقواعد وإجراءات المنطق. طرق التعليم المستخدمة من قبل هذه الاستراتيجية تتركز حول الطلاب عموما وتجمـع دراسة المشاكل وقضايا القيم الاجتماعية والأخلاقية وتقوم تلك الاستراتيجية علـى البحث وتقصي الحقائق من مصادرها، واستخدام أساليب الحوار العلمي والمناقشة المنطقية، وتستخدم هذه الأساليب في موضوعات الدراسات الاجتماعية.
وأجرى تشي Che (2002) دراسة استخدم فيها استراتيجية تحليل القيم لتنمية القيم، وهدفت هذه الدراسة إلى إصلاح التعليم في هونج كونج من خلال تحليل القيم التي أظهرت العديد من المشاكل في نظام التعليم بهونج كونج، وقد أعد خمسة مجموعات من القيم للإصلاح وهذه القيم على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع والدولة والعالم ككل، وقد أظهرت نتائج دراسته إلى ضرورة إصلاح التعليم في ضوء تحليل القيم.
أهداف هذه الاستراتيجية:
- تهدف إلى مساعدة الطلاب على استخدام التفكير المنطقي وأسلوب البحث العلمي فـي التعامل مـع قضايا القيم.
- حث الطلاب على معرفة الحقائق القابلة للإثبات حول الصواب أو القيم أو القضايا موضع البحث.
- فهم الأسباب التي تكمن وراء اختيار قيمة معينة.
- تساعد على تنمية قيم الطلاب الذاتية في مواجهة مشكلات الصراع القيمي في المجتمع. - استخدام أساليب الاستقصاء العلمي في حل المشكلات التي تحمل مضامين اجتماعية وأخلاقية.
- فهم الطلاب نتائج الالتزام بقيم معينة.
- فهم طبيعة الصراع الذي قد ينشأ بين قيمتين في وقت واحد.
- تساعد على تدريس القضايا التي تتطلب اتخاذ القرار.
لمساعدة الطلاب على تنمية قيمهم من خلال استراتيجية تحليل القيم، يقوم المعلم بتنمية المهارات التالية:
  1. تحديد القضايا القيمية
  2. جمع البيانات والتأكد من صحتها
  3. تحليل الحالات المماثلة للقضايا القيمية
  4. توضيح الاختلافات المنطقية والتجريبية في الدليل على الحكم على القيم
  5. تقدير الأدلة المختلفة، واختبار صحة الدليل
  6. توضيح وتمييز سؤال القيمة
  7. جمع خلاصة الحقائق
  8. تقييم ما توصلوا إليه من حقائق
  9. توضيح ارتباط الحقائق بالقيمة
  10. التوصل إلى قرار مؤقت للحكم على القيمة، واختبار مبدأ القيمة في القرار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-William G. Huitt: : OP. CIT, pp 7-8, January 2003 2- Che, Fok, Shui: Values analysis of Hong Kong's educational reform proposals, international journal of educational reform, v11 n3. p200-215 Sun 2002. EJ 650396.
دكتور/ عماد رمضان سليمان 19-1-2010
الحياة الآمنة
من الضروري الآن أن ننظر للبيئة والطبيعة بمنظور عميق ورؤية دقيقة لنصل إلى الهدف الاسمى وهو الإنسان وغاياته ، وتحقيق المعادلة الصعبة الا وهي العدل البيئي أي العدل المتبادل بين الإنسان والبيئة ، ولكي يحيا الإنسان حياة آمنة فلابد من توافر الحماية البيئية والحد من انتشار الامراض والملوثات البيئية التي صنعها الإنسان بواسطة حالات فردية أو جماعية أو هيئات رسمية حكومية أو غير رسمية. والمطالبة بحماية الكوكب الأزرق مما يتعرض له من تجارب نووية وحروب واحتلال ونزاع وخصومات وانتاج تكنولوجيا غبر آمنة وغير ذلك مما يهدد البشرية وحياة الإنسان ، كيف يتحمل الكوكب الإنساني كل هذا ؟ ............. يتبع
دكتور/ عماد رمضان سليمان 21 – 7 – 2009 مدينة نصر

السبت، يناير 16، 2010

التاريخ والمكان (علاقة تبادلية بين الإنسان والبيئة)
إعداد: دكتور/ عماد رمضان سليمان
عندما هبط آدم وحواء من السماء إلى الأرض، شهدت الأرض مولد التاريخ، لذا فأن التاريخ هو الذي يحدد العلاقة المتبادلة بين الإنسان والأرض، تلك العلاقة التي تقوم على التأثير والتأثر، وتفاعل بني البشر مع المكان وتأثير الأخير بالإنسان. وكتابة التاريخ تتطلب الحرية ففكر الإنسان يبنى عليها حتى تكون الكلمة صادقة حقيقية، فالتاريخ يُعد بمثابتة الآباء والأجداد فيجب أن نكون أمناء من أجلهم، فمن الحقائق الثابتة العلاقة الوطيدة بل والحميمة بين التاريخ والمكان كالروح والجسد، فلولا المكان ما كان التاريخ، وكذا لا مكان بدون تاريخ، فالعلاقة الإنسانية المكانية علاقة حتمية وعملية تبادلية – علاقة تأثير وتأثر، فتفاعل الإنسان مع البيئة هي التي تُمكن المؤرخ من كتابة التاريخ وتدوين تلك العلاقة المتبادلة متى حيا الإنسان. إن عوامل البيئة لا تؤثر في الفرد وحاضره فقط بل تتراكم تأثيراتها عبر ميراث الأجيال، فالإنسان ميراثه الحضاري والروحي والثقافي لا يخضع للحاضر ومؤثراته فحسب بل هو أيضاً نتيجة الماضي، إن سلوك شعب ما وعقليته وثقافته وفكره هو نتيجة أساسية لمؤثرات ميراث آلاف السنين. إن دور المكان في تحديد الثقافة البيئية لأي مجتمع أمر واضح ، مثل الفروق الحياتية والثقافية والسلوكية والتربوية بين السكان الذين ينتمون لبيئات مختلفة صحراوية كانت أو ساحلية أو جبلية أو صناعية أو زراعية، أو الفروق بين سكان القرى والمدن، بل بين الأنماط المختلفة في المكان الواحد، وعلى هذا فإن المكان يلعب دوراً حاسماً في رسم حدود الغالبية العظمى من الأوطان وفصلها عن بعضها البعض، وأن المكان لا يفصل بلد عن آخر بل يمكنه أن يفصل مجموعات من البلدان، وعليه ليس المكان فقط هو الذي يحدد الهوية البيئية أو الحدودية بين دولة وأخرى بل يمتد المكان لنطاق أشمل من ذلك وهو العلاقة التبادلية بين الإنسان والمكان، بمعنى عملية التأثير والتأثر بين الإنسان وبيئته. علاقة التاريخ بالبيئة: التاريخ هو أحداث وقعت منذ بداية الكون وعلاقات الإنسان بالكون وبيئته المحيطة به وتفاعله معها وتأثره وتأثيره بها ، فالصلة وثيقة بين الإنسان والبيئة منذ بداية الخلق فكثير من المشكلات البيئية قد سببها الإنسان مـن الحروب وما تخلفه ، وإهدار للموارد الطبيعية بسوء استخدام الإنسان لها وعدم استغلالها الاستغلال الأمثل. ويؤكد "قاسم" عـلى أننا لا نسـتطيع أن نتصور وجود الفعل التاريخي في فراغ بعيداً عن المكان والبيئة ، فالتفاعل بين الناس والبيئة في إطار الظرف الزماني هو الذي ينتج لنا الظاهرة التاريخية في أي عصر من العصور، والذين يعملون بعلم التاريخ يلجئون إلى البحث والتنقيب عن المصادر الأصلية، بقصد الدراسة والنقد والمقارنة والتحليل والاستنتاج، فلذلك تعتبر البيئـة معمل دراسـة التاريخ، فيشير "بريان" Brian على أهمية ربط منهج التاريخ بالبحث العلمي التاريخي لكي نتمكن من حل المشكلات. فالتاريخ هو دراسة الإنسان في المجتمع ماضيه وحاضره ومستقبله وهو الذي يحدد الفروق بين الجماعات ووسائل تكيفها للبيئة الطبيعية وتكيف هذه البيئة لحاجاتها ، وأساليب مواجهة الإنسان لمشكلات البيئة وأنماط علاقاته بغيره ثم الحضارة والثقافة اللتان ابتكراهما الإنسان. كما أن التاريخ يوضح الجانب الإنساني في الإنسان وتبصره بالعلاقات التي يجب أن تسود في المجتمعات وتنظيمها والاتجاهات التي يجب أن تأخذها هذه المجتمعات في المستقبل وتنمية الجانب الروحي والإنساني في الناس وتزيد قدرتهم على التعامل مع الآخرين في جماعاتهم القريبة والبعيدة، والصلة بين النمو الإنساني والاجتماعي وبين التقدم في المادة والثروة هي صلة واضحة فالثروة والقوة في حاجة دائماً لما يحسن توجيهها ويقوم استخدامها. ويمـكن التعرف على خصـائص الطبيـعة البشرية من خلال أفعال البشر أنفسهم، وهذه الأفعال كامنة في طيات أحداث التاريخ الإنساني، فما أكثر البلاد في عصرنا التي لا تنقصها الثروة ومع ذلك فهي فقيرة ومتخلفة بسبب انحراف مواطنيها عن اتجاه القيم والأخلاق واحترام القوانين. والظاهرة التاريخية على ثلاث دعائم هي الزمن والمكان والإنسان: أولاً- البعد الزمني أو الزماني: الزمن هو قاعدة العملية التاريخية، وهو الذي يجعل للحادثة التاريخية صفتها التاريخية،والزمن الـذي نعنيه هـو الزمن الإنساني، أي عمر الجنس البشري فوق كوكب الأرض ، فلا توجد وقائع تاريخية أو حوادث تاريخية خارج نطاق الزمن. وتفسير الأحـداث التاريخية يجب أن يكون بناء على العلاقة بين الأبعاد الثلاثة الزمان والمكان و الإنسان وتأثير كل من الزمان والمكان في سلوك الإنسان وعلاقته مع الآخرين وتعامله مع الطبيعة. والأحداث الهائلة عن أخبار الماضي لها أثر كبير في مسيرة التاريخ سلباً أو إيجاباً سواءتلك التي وقعت في الماضي البعيد واندثرت آثارها، أو تلك التي لا زالت بصماتها واضحة في الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع في الوقت الحاضر. فالتاريخ يحلل البعد الزماني للموقف الحاضر ويبين التراكمات الإنسانية والسياسية التي أدت إليه وعقدته وخلقت فيه مشكلة. ثانياً- البعد المكاني أو البيئي: تُعد البيئة هي الركن الثاني من أركان الظاهرة التاريخية، فالبيئة هي مسرح العملية التاريخية، وبقدر ما تقدمه البيئة من معطيات وما تطرحه من تحديات أمام الإنسان يتحدد شكل الظاهرة التاريخية، ودور الإنسان وتفاعله معها. ومنذ البدايات الأولى لعلم التاريخ أدرك المشتغلون به أهمية البيئة كعامل أساسي في تشكيل الفعل التاريخي فهيرودوت مثلاً حين يتحدث عن مصر يبدأ بوصف البيئة الطبيعية إلى الحديث عن شكل الأرض وتربتها ومساحتها، ثم يتطرق إلى الحديث عن شكل الحضارة المصرية فيتحدث عن الزراعة والنيل الذي أدرك أنه العامل الأول في تشكيل البيئة المصرية. وعلم الجغرافيا يحلل البعد المكاني للموقف الاجتماعي فقلما توجد مشكلة اجتماعية إلا وللبيئة أثر فيها حتى الأحداث التاريخية الكبرى كانت أثراً لتغيرات حدثت في البيئة كهجرة المصريين القدامى من الصحراء الغربية وانهزام نابليون بونابرت في روسيا، وهزيمة هتلر في نفس المكان، جميعها أحداث تاريخية وإنسانية ذات أثر عميق وكانت نتيجة أحوال جغرافية في البيئة، ويبرز دور المكان كعامل مهم في تشكيل الفعل التاريخي. والبيئة كمسرح للعملية التاريخية لا تحتل مكانه كبيرة في التراث العربي قبل الإسلام، ومع ظهور الإسلام جاء القرآن بمفهوم جديد تماماً لدور البيئة أو المكان في قصة الإنسان في هذا العالم، فهي الإطار أو المحيط الذي يحيا فيه الإنسان ، بكل ما يلزم من مقومات حياته، ويمارس فيه علاقاته مع إخوانه من بني البشر. وذلك أن آيات القرآن الكريم جاءت تحمل مفهوماً للبيئة يقوم في أساسه على أمرين : الأمر الأول أن الله قد خلق مظاهر الطبيعة التي يعيش الإنسان في رحابها لكي تكون وسيلة يتوسل بها الإنسان لمعرفة خـالقه ومظاهر قدرته وآيات إبداعه ويحفل القرآن بالكثير من الآيات التي تدل على هذا ففي قوله تعالى " ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ، إن في ذلك لآيات للعالمين " وفي مواضع أخرى كثيرة يشير القرآن إلى مظاهر الطبيعة والكون باعتبارها براهين على قدرة الله الذي خلقها ودليلاً على حكمته. أما الأمر الثاني أن القرآن يشير إلى أن للطبيعة دوراً في صياغة التاريخ على أساس أن الله قد خلقها وسخرها لخدمة الإنسان ومساعدته في إعمار الأرض وتحقيق الغاية من حمل الإنسان للأمانة التي عرضها الله علـى السماوات والأرض والجبال فأشفق فيـها، وحملـها الإنسان، وعليه فالبيئة تكون للإنسان منزله الذي يعيش فيه والذي فيه مستقره ومقامه. ويورد القرآن الكريم ما يؤكد ذلك في قوله تعالى: "واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين". وقوله تعالى : "وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود". يتضح مما سبق بأن العلاقة وثيقة بين التاريخ والمكان وتفاعل الإنسان بالبيئة وتأثيره وتأثره بها ودوره في الحفاظ على البيئة وعدم إهدار مواردها الطبيعية حتى لا تفنى تلك الموارد وأن علاقته بالمكان أي الجغرافيا تكشف عن مدى أهمية البيئة كمسرح للعملية التاريخية، وإذا كانت الجغرافيا تعني دراسة علاقات الإنسان ببيئته الطبيعية، فإن كل الجغرافيا هي إذن جغرافيا تاريخية بمعنى أن التاريخ هو منجم للجغرافيا ثري لا ينضب، منه تستمد خامة ثمينة لا غنى عنها وهو معمل الجغرافيا يقدم تجارب الماضي، والواقع أنه لا جغرافيا بلا تاريخ. ثالثاً- البعد الإنساني : والدعامة الثالثة للظاهرة التاريخية هو الإنسان منفذ العملية التاريخية ، فالتاريخ يؤكد على أن تجربة الإنسان تجربة فردية سواء على مستوى الفرد أم على مستوى الجماعة، وأن التاريخ يقدم لنا أسباب الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ونتائجها ، ويوضح أن لا شئ صدفة. فمعرفة الماضي من خلال الدراسة التاريخية تساعده على تفهم الطبيعة الإنسانية من خلال دراسة أفعال الإنسان وتصرفاته ومن ثم فإن معالجتنا لأمور الحاضر ومشكلاته ستكون معالجة أفضل، فالإنسان الذي يتمتع بمعرفة دقيقة لما حدث في الماضي يقترب أكثر من الفهم الكامل للطبيعة البشرية، وبالتالي فهو قادر على أن يتصرف بالحكمة والثقة النابعين من معرفة الحقائق، والتاريخ يساعدنا في البحث عن جذورنا وهويتنا ومعرفة أحداث الماضي والاستفادة منها من خلال معرفتنا بطبيعة الإنسان وعلاقاته في المجتمع الذي يعيش فيه. ومن هنا ننظر للتاريخ بأبعاده الثلاثة البعد الزماني والمكاني والإنساني ، فهذه النظرة توضح طبيعة التاريخ، حيث تفاعل الإنسان على مـر العصور والأزمنة المختلفة بالبيئة التـي وهبها الله للبشرية واستغلالها وهنا تتضح أهمية التربية البيئة لوعي الإنسان صغيراً كان أم كبيراً للحفاظ على بيئته وإكساب القيم والاتجاهات الإيجابية نحو البيئة . كان هيرودوت جغرافياً قبل أن يكون مؤرخاً حين قال إن مصر هبة النيل ومن قبله بكثير كان قدماء المصريين يقولون إن الدلتا هي هبة النيل وهدية النهر، وعندما حكم محمد علي مصر عمل على إخراجها من العصور الوسطى إلى الحضارة الحديثة، بأساليبها في الحكم والإدارة والتشييد والبناء والحرب والدفاع والأخذ بأسباب العلم الحديث. ويقول حمدان بأن البيئة الفيضية كواحة صحراوية، معرضة لأطماع وغارات الرعاة البدو باستمرار، وهذا فـي حد ذاته يستدعي تنظيماً سياسياً قوياً متماسكاً في الداخل ، ولقد رأينا كم هو حافل سجل الغزوات والغارات الرعوية على مصر طوال التاريخ، وكيف كان بقاؤها يتوقف على الدفاع الخارجي بقدر ما كان يتوقف على الضبط النهري في الداخل ، ولذا عمل محمد علي على وقف الرعي الجائر من البدو واستقرارهم كما حولهم إلى زراع ثابتين. ولمـا كان نهر النيل يمثل شريان الحياة في مصر وكذلك ضياع كثير من مياه النهر عند مصبه في البحر المتوسط ، فنجد محمد علي عمل على الاستفادة من هذه المياه الضائعة ببناء السدود والقناطر والترع وأهمها القنـاطر الخيرية ، التي بدأ بنائها في عام 1843، فكانت بذلك أول قناطر هندسية على النيل ومن أولى قناطر الري الحديث في العالم كله، وبذلك تحول الري من ري الحياض إلى الري الدائم ، مما ساعد على زيادة الرقعة الزراعية وإثراء الإنتاج الزراعي. وعندما تولى محمد علي مقاليد الأمور في مصر دخلت عهداً جديداً وشهدت البلاد برامج تنموية هائلة خاصة في المجال الزراعي حيث ساعد بناء القناطر الخيرية في تحويل جزء من أراضي الدلتا إلى نظام الري المستديم بالإضافة إلى حفر ثلاث وثلاثين ترعة وبخاصة ترعة المحمودية، وأقام خمسة عشر جسراً ، وثلاثة وعشرين سداً فوق النيل، فاتسعت الرقعة الزراعية، ويضاف إلى ذلك عمليات الترميم وإصلاحات كثيرة والذي ساعد محمد علي في تحقيق ذلك هو البيئة الطبيعية وخاصة" المجتمع المائي" الذي تعتبر مصر أوضح وأقوى مثل له على مر عصور التاريخ. وعليه يبرز دور الإنسان في استغلال الموارد البيئية الطبيعية استغلالاً إيجابياً كما فعل محمد علي وكان من نتيجته التنمية الزراعية التي حققها عن طريق الاستفادة الممكنة من مياه نهر النيل من إقامة القناطر و السدود والترع وغيرها. والحقبة التاريخية المتمثلة في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي وبالتحديد منذ اعتلاء محمد علي باشا حكم مصر عام 1805م توضح مدى تأثر محمد علي بالبيئة الأوروبية التي نشأ بها، ورغم أن الدول الأوروبية آنذاك كانت شغلها الشاغل هو الصناعة نتيجة الثورة الصناعية التي صاحبها إنشاء العديد والعديد من المصانع ونرى أنها ساعدت كثيراً في التقدم الصناعي والتكنولوجي فيما بعد، إلا أن هذه الدول قد أغفلت الجانب البيئي مما أثر على الحياة الإنسانية بصفة عامة والصحية بصفة خاصة. نرى محمد علي باشا باهتماماته الكبيرة في بناء مصر الحديثة ونظرته الثاقبة في أهمية تطوير البلاد في جميع المجالات الصناعية والزراعية والتجارية وغيرها كما سبق سالفاً، إلا أنه قد سبق هذه الدول الصناعية بل وسبق عصره أيضاً في مراعاة الأبعاد البيئية التي سارت مع النهضة الحديثة في خطين متوازيين، أي أنه تمكن من تحقيق المعادلة الصعبة التي تحاول الدول المتقدمة قبل الدول النامية في تحقيقها الآن في القرن الحادي والعشرون وهي التوازن البيئي الذي حققه محمد علي باشا من خلال أفكاره التقدمية المستقبلية والتي سبقت عصره كما سبق سالفاً. محمد علي بجانب مراعاته للأبعاد البيئية في كل الميادين فأنه أيضاً أهتم بالجوانب الجمالية فـي البيئة المصرية فكان شغوفاً ومولعاً بالجمال البيئي ، ويقول الرحالـة الفرنسي "أدمون بوتي" من قصر الجوهرة ، يمكننا الاستمتاع بمنظر جميل يمتد فوق المدينة ، ويصل إلى ما وراء النيل والأهرامات ، ومن ناحية جامع محمد علي نرى عبر حديقة رائعة ، المآذن الممشوقة التي تدعو الروح إلى التحليق في السماء. ولاهتمام محمد علي بالنواحي الجمالية فقد قام ببعض الأعمال التي ساعدت على تجميل البيئة المصرية ففي عام 1829م أمر بإزالة الآكام الملاصقة للنيل شمال قصـر العيني وكانت على مساحة تسعة أفدنه، وغرس محله أشجار الزيتون ، وحول مناطق القمامة بعد إزالتها إلى متنزهات، وفي عام 1831م ، أصدر قرار بتعمير أراضي الخرائب، وفي عام 1835م أمر محمد علي بدهان الحوانيت وواجهـات المنازل في القاهرة باللون الأبيض، وعام 1843م أصدر أمراً بإنشاء مجلـس للإشراف علـى تجميل القاهرة ، وتعديل شوارعها وذلك لتحديث المدينة، وعام 1846م قام بتوسيع بعض الشوارع وغرس الأشجار، وفي عام 1847م عمل على تمهيد طريق متسع بين وسط القاهرة وشبرا وغرست علـى جانبيه الأشـجار فكان من أجمل متنزهات القاهرة ، وفي نفس العام تم تسمية الشوارع وترقيم المنازل، هذا وقد أنشـأ محمد علـي بستان الأزبكية وأزال التلال التي كانت متراكمة خارج منطقة باب الحديد وغرب القاهرة. هذا وقد فطن محمد علي بأهمية النظافة على أساس أنها المؤشر الحقيقي لحضارة وتقدم الشعوب، فهي التي تعكس الوجه الحضاري للمجتمع ومدى تقدمه، ونحن نعلم أن التقدم والتطور يحتاج إلى التربية والتعليم، إذاً النظافة هي سلوك مكتسب نتعلمه نتيجة للتربية التي ننشأ ونتربى عليها وهذا ما اهتم به محمد علي باشا فقام بالتوجيه والإرشاد في هذا الصدد منها النظافة العامة في شوارع القاهرة وإنارة الشوارع وتوسعتها ولذلك قام ببعض الإجراءات في هذا المجال منها مد شبكة جيدة لمياه الشرب وإضاءة شوارع القاهرة بالأنوار الغازية والكشف عن منازل القاهرة لسلامة الناس، وفي عام 1832م أصدر محمد علي أوامره بضرورة كنس ورش الشوارع وتنظيف الأسواق وإنارة شوارع المدينة ، وإيقاد القناديل على أبواب المنازل ، وأن يخصص لكل ثلاثة حوانيت قنديل. وبما أن النظافة نتعلمها ونكتسبها من التربية فهي على المستوى العام إذا تم تطبيقها فإنها تبين مدى جمال وحضارة المظهر الطبيعي والبيئي للبلد، ومن هنا يأتي دور التربية البيئية في تنمية سلوك النظافة، فالنظافة تعتبر سلوك من السلوكيات التي يجب أن يتم التأكيد عليها للوصول إلى الرقي، وهذا السلوك يجب أن نزرعه في عقل المجتمع بكافة أعماره وفئاته، فعندما يكون المجتمع نظيف يعني أننا نعيش في بيئة نظيفة، وأننا نهتم بالنظافة، ولكن يجب أن نسعى إلى تعزيز هذا الاهتمام، ومن هنا يبرز دور المؤسسات المختصة في هذا الموضوع للتركيز على أهمية التربية البيئية في تطوير السلوكيات البيئية وضمنها النظافة والتي قد نعتبرها مجرد سلوك بسيط ولكنه بالأساس هو سلوك إذا ما اتبعه كل فرد من أفراد المجتمع بصفة شخصية أو عامة فإنه يساهم في تحقيق النظافة وهذا ما اهتم به محمد علي منذ قرنين من الزمن فأنه طبق التربية البيئية بمفهومها دون تداول لفظها، لذا تلعب التربية البيئية دور كبير في هذه السلوكيات البسيطة والتي تساهم في جعل النظافة عادة وسلوكاً يومياً، والسلوك اليومي هو عادة متبعة يتم تطبيقها في البيت والشارع، والحدائق والمتنزهات والأماكن العامة وفي جميع مرافق الحياة. وأن النظافة ليست مجرد مصطلح يتم حصره في عدة كلمات وإنما هي مفهوم كبير يندرج منه سلوكيات لها تأثير عظيم على المجتمع والبيئة، وإذا تم إكساب هذه السلوكيات بشكل جدي تظهر مدى رقي المجتمع، أما إذا أهملت فإنه ينتج عنها مشاكل بيئية وصحية كبيرة وتظهر مدى عدم قابلية المجتمع للتطور والوصول للحضارة، ونحن الآن في القرن الحادي والعشرون يجب علينا أن نعمل من أجل المستقبل من خلال تنمية قيم بيئية توجه هذه السلوكيات وأن نستفيد بالوسائل الحديثة والتكنولوجية المتطورة والتي سبقتنا إليها في الوقت الراهن العديد من الدول، وبالإضافة لذلك يجب إصدار تشريعات صارمة تجاه البيئة لحمايتها من أي تلوث مثلما فعل ذلك محمد علي باشا في القرن التاسع عشر الميلادي حينما أصر قوانين بهذا الصدد لحماية البيئة من التلوث وحماية الأهالي من الأمراض. وبناء على ما سبق نجد أن هناك علاقة وثيقة بين التاريخ والمكان من خلال تفاعل الإنسان مع بيئته واستخدامه لمواردها الطبيعية وتطويرها على مر العصور وما ينتج من تفاعل الإنسان بالسلب والإيجاب مع البيئة أي علاقة تبادلية بين الإنسان والبيئة، ويمكن القول بان دراسة التاريخ تساهم في غرز القيم البيئية ومن ثم حل المشكلات البيئية التي تهدد حياة الإنسان على الأرض وأنشطته الإنمائية عن طريق العلاقات التي تربط الإنسان ببيئته ، وتساعده على التعرف على تلك المشكلات وتلافيها وحلها إذا واجهته.
  • بسـم الله الرحمـن الرحـيم
الفصل الأول تضمين الأبعاد البيئية في مناهج الدراسات الاجتماعية
إن الارتباط وثيق بين الإنسان والبيئة بـكل مـكوناتها منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا وحاضرنا ومستقبلنا، فالإنسان في تفاعل دائم مع البيئة يؤثر ويتأثر بها ، ومن أجل الحفاظ عـلى البيئة و مواردها وحمايتها من التلوث فمن الضروري أن يتعامل الإنسان مـعها بأخلاق البيئة وأن يسلك سلوكاً إيجابياً نحوها وألا يسلك سلوكيات خاطئة تؤدي إلى الكوارث البيئية وتدميرها، وهذا حق الأجيال القادمة . وقد خلق الله سبحانه وتعالى الكون على نحو موزون وقد جاء هذا الاتزان محكوماً بقوانين سماوية ومن ثم فإن أي إخلال يتعرض له هذا الكون أو أي خروج عن هذه القوانين السماوية يعرضه لاهتزازات وكوارث وفقدان لجزء أو كل طبيعته المتوازنة التي وضعها الله سبحانه وتعالى . حيث قال تعالى : " الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور " سورة الملك الآية 3 ونتيجة للتقدم الهائل في كثير من الدول واستغلال الموارد الطبيعية واستنزافها في دول عديدة أدى إلى تدهور تلك الموارد وتلوث البحار والأنهار والهواء وأكدت المؤتمرات الدولية على ضرورة حماية البيئة والحفاظ عليها لأن إحداث الخلل في علاقاتها الطبيعية ينذر بالخطر إذ تجاوز عمل الإنسان في بعض الأحوال قدرة النظم البيئية الطبيعية على استيعاب التغيير أو احتماله فأحدث هذا اختلافات بيئية تكاد تهدد حياة الإنسان نفسه ومدى قدرته على البقاء على سطح الأرض مما يهدد الأجيال القادمة بالأمراض ونقص الموارد . ونشاهد التراجع المذهل للحيز المكاني ، سواء الأراضي الزراعية أو الغابات وغير ذلك من الموارد الطبيعية ، فنجد الإنسان في الماضي يرى في الأشجار العتيقة رمز الثبات والخلود ، وهو حس فقده إنسان الحضارة الحديثة التي تعتمد على التقنية . إن حماية البيئة أسلوب مـن أساليب التعامل مـع البيئة بكل مكوناتـها بحيث يأخذ في الحسبان اتزانها ،وإمكانات مواردها الطبيعية حتى تستمر تعطي الإنسان كل حاجاته الضرورية لبقائه ، وتظل في الوقت نفسه مأوى مريحاً له ، كما أن الإنسان في تفاعل دائم مع المنظومـات الحـيوية والمصنوعة والاجتماعية لتسخير ما تحتويه البيئة مـن إمكانات وطاقـات وظواهر وأنظمة لتطوير معيشته وإشباع حاجاته ، ولذلك ظهرت العديد من المشكلات البيئية في العصر الحالي .¬ وكان الإنسان في إحدى فترات التاريخ القديم " عبداً للبيئة " يخضع خضوعاً مباشراً وقوياً لظروفها الطبيعية ، التي تحكمت في الإنسان ، وفيما يقوم به من أنشطة ، فاقتصر نشاطه على حرف الجمع والالتقاط والصيد ، دون أن يكون له القدرة على التأثير في تلك البيئة وظروفها المختلفة ولكن مع مرور العصور والأزمان ، نجح الإنسان في التعرف على العوامل والظروف المختلفة التي تحيط به ، ونجح الإنسان في فهمها بل والتحكم فيها والسيطرة عليها ، حيث نجح في التغلب على الظروف البيئية المختلفة ، وساعده على ذلك النجاحات المتتابعة التي حققها في المجالات المتعددة ، مما أحدث تطورات ضخمة في النواحي التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية . وهكذا أصبح الإنسان " سيداً للبيئة " بعد أن كان عبداً لها وبدأت سيطرته على البيئة تزداد إحكاماً . وراح الإنسان يستنزف العديد من الموارد الطبيعية للبيئة ، دون أن يراعي التوازن البيئي بين عناصر البيئة المختلفة . ولذا فمعظم القضـايا والمشكلات البيئية التـي تعاني منـها معظم المجتمعات ، هي في الحقيقة قضايا سلوكية والمتسبب الأول فيها السلوك الفردي للمواطن ومن ثم سلوك المجتمع ككل ويتفاعل الإنسان مع موارد الكون بأشكال مختلفة فأحياناً يتعامل معها بأدب وخلق رفيع المستوى ، فتوجد البيئة بأفضل ما نملكه من إمكانات وأحياناً أخرى يسلك سلوكيات سالبة فيسئ إلـى البيئة ويعبث بالقوانين التـي تحكم الكون، وتفاعل الإنسان مع البيئة سلاحاً ذو حدين فعند تجاوز الإنسان يحدث اختلال للتوازن فـي البيئة ، ومـن هذا المنطلق يتضح لنا أنه ليس هناك وسيلة ناجحة للتعبير عن ضرورة حماية البيئة والحفاظ على مقوماتها إلا عن طريق التربية والتعليم على مختلف المستويات النظامية وغير النظامية وعن طريق زيادة الوعي وتنمية الاتجاهات البيئية . وكذلك جميع المؤسسات المختلفة من الأسرة ودور العبادة ووسائل الإعلام والمدرسة وغيرها التي تعمل على تنشئة الأفراد التنشئة التربوية والعملية والسلوكيات التي تهدف لتحقيق أهداف التربية البيئية وتنمية الوعـي البيئي وإكساب الاتجاهات البيئية لدى الأفراد . حيث تستهدف عملية التربية عامة تطوير حياة الفرد والمجتمع من كافة النواحي ، وهي بذلك تتأثر بما يجري من أحداث محلية أو قومية أو عالمية ، مما يجعل الفرد يعيش تلك الأحداث، بل ربما توجه مسارات تفكيره وسلوكياته في اتجاهات معينة ، ونقطة البداية دائماً هي أن يحدث تغير أو تطور في شكل السياسة التعليمية ومضمونها حيث أن هناك عدة مجالات يحتاج فيها الفرد إلى أن يعرف كيف يسلك تجاهها ، والسبيل إلى ذلك هو عملية التربية ذاتها ، وبالتالي فهناك تربية سياسية وأخرى صحية وثالثة اجتماعية ورابعة سكانية وخامسة تربية بيئية إلى غيرها . والتربية البيئية في أيسر أشكالها تعني الفرد ، بحيث يسلك سلوكاً رشيداً نحو البيئة بالمعنى الواسع والشامل ، ويتعامل معها برفق وتحضر ، وبلا عقد نفسية ، لكي تكون قادرة على الاستمرار في العطاء ، مما يوفر حياة هانئة للإنسان حاضراً ومستقبلاً وتحقيق ذلك من خلال تضمين الأبعاد البيئية في المناهج الدراسية. ومناهج الدراسات الاجتماعية تتناول قضايا التنمية والمشكلات البيئية والمعلومات والحقائق والمعرفة المتعلقة بها وبمواردها المختلفة من البيئة الطبيعية أو المصنوعة أو أي مكون أو عنصر من عناصرها ، سواء أكان مكوناً طبيعياً أو بشرياً . وذلك بأسلوب يعتمد على اساليب تدريسية تحقق أهداف محددة لتلائم مستوى معيناً من الطلاب في مراحل التعليم العام من أجل بلوغ أهـداف تربوية محددة مسبقاً . وإذا كانت الدراسات الاجتماعية هي مواد دراسية في مراحل التعليم العام فهي على هذا الأساس مواد متطورة بتطور المجتمعات . وتطور البحوث والدراسات العلمية ، وهي من أكثر المـواد الدراسـية تتناول المجتمع والبيئة من أحداث وما يعتريه من قضايا ومشكلات بيئية. فإن تدريس هذه المواد ينبغي ألا ينعزل عن تلك التطورات ، ويرتبط تدريسها أيضاً بالمشكلات التي يتعرض لها المجتمع والبيئة اليوم وغداً وفي المستقبل ـ مادامت مـواد ترتبط ارتباطـاً وثيقاً بالبيئة والمجتمع سواء في مصر أو الدول العربية. إن الدراسات الاجتماعية هي عملية لتنمية الاتجاهات والمفاهيم والمهارات عند الطـلاب في اتجـاه معين لتحقيق الأهداف التي يضعها المفكرون ، ولكي تحققها هذه العملية الأساسية التي تعتمد عليـها حياة الأفراد ورفاهيتهم وتنمية مجتمعاتهم ، وقد كان ـ ولا يزال ـ تعريف الطـالب بمقومات بيئته الطبيعية والاجتماعية من أهم الأهداف التي سعت وتسعى الدراسات الاجتمـاعية إلى تحقيقها ـ وإن اختلفت الوسائل للوصول إلى ذلك ـ ومن هنا يتضمن محتوى منهج الدراسات الاجتماعية الإنمـائية وآثارها على البيئة ، وما هي التنمية الملائمة لهذه الأنشطة وتبيان وتكاليف حمـاية البيئة ، عـلاوة على قضايا البيئة والتلوث في مصر . وإبراز الجانب الـذي يعـالج كيفية تعامـل الإنسان مع بيئته ومصادرها ، بطريقة تكفل له حسن استغلالها ، وتؤدي إلى استمرار التوازن بينه وبين تلك المصادر ولاستـمرار وجـوده وتمتعه بتلك المستويات من المعيشة التي توصل إليـها عن طـريق كفاحـه الدائب على مر العصور . وهذا كله هدفاً رئيسياً من أهداف تدريس مادة الدراسـات الاجتماعية . وتدخل الدراسات الاجتماعية في مناهج التعليم العام ـ أي في مناهـج مرحـلة التعليم الأساسي ، والمراحل الثانوية ـ كمجال من مجالات التخصص ، لكل منها قسم قائم بذاته يختص بدراسـة فرع من فروع هذه المواد بالتعمق والشمول . وبناء على ما تقدم ، فإن الدراسات الاجتماعية كمواد دراسية في مراحـل التعـليم العام ترتبـط بالإنسان وحياته وتفاعلاته وتأثيراته على بيئته وكيف أن الإنسان يعتمد اعتمـاداً مطلقاً في حيـاته وتقدمه على البيئة وما فيها من مصادر طبيعية وعليها في تطوير معيشته ومؤسسـاته الاجتماعية والاقتصادية بل وجوده ، فضـوء الشمس والهواء والمـاء والتربة هي العنـاصر التي لا يمـكن للإنسان أن يحيا بدونها ، فالهواء وضوء الشمس والماء كلها لازمة لبقائه حياً ، كما يحتـاج إلـى التربة والعوامل السابقة معها لكي تقوم عليها حياة النبات والحيوان كمصادر لغذائه . وتتطور حاجة الإنسان إلى المصادر الطبيعية بتطور قدرته على استغلالها ، فالأنشطة الإنمائية لها آثارها على البيئة . وعلى الرغم من أهمية المصادر الطبيعية لحياة الإنسان واعتماده اعتماداً كلياً عليها لبقائه وتطوره وتطوير سبل معيشته إلا أن حسن استغلالها وصيانتها أصبح أمراً حتمياً نتيجة لتزايد عدد السـكان التدريجي بالنسبة للمصادر المحدودة على هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان . وتتلاقى أهداف المواد الاجتماعية هذه في دراستها للبيئة ، وفي ارتباطها بها ـ تتلاقى مع الهـدف الكبير للتربية وهو بناء الإنسان ؛ ذلك لأنها تستهدف زيادة العائـد من رأس المـال عن طريـق استثمار طاقات الإنسان واستثمار الإمكانات المتاحة للبيئة التـي يعيش فيـها ، وتنظيم العلاقـات الإنسانية القائمة بهدف تحقيق أقصى إنتاج ممكن . من هذا المنطلق يتبين لنا أن الدراسات الاجتماعية في علاقاتها القوية بالبيئة وبمشكلاتها وارتباطها بالبيئة بحكم طبيعتها كدراسات اجتماعية تعالج المجتمع ومشكلاته ، كما تعـالج البيئة ومشكلاتـها ومدى تأثير الأنشطة الإنمائية على البيئة … لذلك فإن هذه الدراسـات الاجتمـاعية تعني بدراسـة العلاقات الإنسانية من ناحية وعلاقة الإنسان ببيئته من ناحية أخرى ، المشكلات والمواقف التي تبدو كرد فعل لتلك العلاقات . ويمكن القول بوجه عام إن الدراسات الاجتماعية تشكل محاولة الخلاص من المشـكلات البيئية التي تهدد نوعية حياة الإنسان على الأرض وأنشطته الإنمائية عن طريق المفاهيم والعلاقات المعقدة التي تربط الإنسان ببيئته ، وتساعده على التعرف على مشكلاتها وتلافي هذه المشكلات وحلها إذا واجهته بذلك تصبح البيئة ـ والتي يعبر عنها بالمجتمع أو المحيط الاجتماعي ـ هي ميدان ومجال الدراسات الاجتماعية وتدريسها . وهنا يكون دور المدرسة هو التعامل مع الوسط البيئي الـذي تعيش فيه لكي يتمكن الطلاب من الوقوف على حقيقة البيئة ومشكلاتها التي تقع حـول المـدرسة لمعرفة وضعها وموقفها الحقيقي ، ويمثل هذا في ذات الوقت وقوفهم على الخبرات المباشرة بكل حواسهم في هـذه البيئة . لأنه ربما يكون من الصعوبة بمكان شرح المشكلات البيئية للطلاب عن طـريق التلقين فقط أو قراءتها في الكتب المدرسية ، فالبيئة المحلية التي يعيش فيها الطالب تتـعدد بها المشكلات التـي تتطلب أن يقف الطلاب والدارسون عليها لأن تلك هي وظيفة المدرسة عامة والدراسـات الاجتماعية خاصة . هنـا تظهر لدينا قضية هامة وهي التربية البيئية . والآن قبل شرح هـذه القضـية المـهمة المرتبطة بالتعليم في مصر تطرح الآراء حول مفهومها ، حيث تعددت الآراء فـي معنـى التـربية البيئية ومـدلولها ، وذلك بتعدد مدلول العملية التربوية وأهدافها من جهة ، ومدلول البيئة مـن جـهة أخرى . فقد يرى بعض المربين والمعلمين أن دراسة البيئة في حد ذاتها ضمان لتحقيق تـربية بيئية فـي حين يرى البعض الآخر أن التربية البيئية أشمل من ذلك وأعمق . وليست التربية البيئية مجـرد تدريس المعلومات والمعارف في الدراسات الاجتماعية عـن بعض المشـكلات البيئية كالتـلوث أو الأنشطة الإنمائية المؤثرة على البيئة أو تدهور الوسط الحيوي أو استنزاف الموارد الطبيعية الإنمائية ولكنها تواجه طموحات أكثر من ذلك تتمثل في جانبين :- الجانب الأول : إيقاظ الوعي الناقد للعوامل الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية الكامنة في جذور المشكلات البيئية . الجانب الثاني : تنمية القيم البيئية التي تحسن من طبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة . تلك العلاقات التي تطورت على نحو غير سوي وسببت كل ما يواجه البيئة من مشكلات . كما أن اهتمام المدرسة بالمشكلات البيئية الموجودة في إطار الحي وانفتاح المدرسة على البيئة يساعد في تربية الطلاب وإعدادهم ليكونوا مواطنين لهم دورهم الإيجابي والفعال في مواجهة مشكلات بيئتهم وفي اكتسابهم وعياً بيئياً ، وفي تنمية قدراتهم التفكيرية من نقـد وتحليل واستنتاج وإبداء رأي عنـد وقوفهم ودراستهم ومعرفتهم لتلك المشكلات التي تتعرض لها الدراسات الاجتماعية والتـي يدرسـها الطلاب في مراحل التعليم العام . ولما كانت مناهج الدراسات الاجتماعية عملية لتنمية الاتجاهات والمفاهيم والقيم والمهارات فهي تسعى لتحقيق أهـم أهدافها ألا وهو تعريف الطالب بمقومات بيئته الطبيعية والاجتماعية والمشيدة ومن هذا المنطلق فان مادة الدراسات الاجتماعية تهدف إلى:
  1. تعريف الطالب مقومات بيئته الطبيعية والاجتماعية .
  2. تعزيز الوعي والاهتمام بترابط الجوانب البيئية والسياسية والاقتصادية .
  3. إتاحة الفرص لكل الطلاب لاكتساب المعرفة والقيم وروح الالتزام والمهارات الفردية لحماية البيئة والمحافظة عليها وتحسينها .
  4. خلق أنماط جديدة من السلوك تجاه البيئة لدى الطلاب والدارسين .
  5. اكتساب الطلاب الوعي بقضـايا البيئة ومـواردها ومشكلاتها مـن جميع جوانبها المرتبطة بالبيئة .
  6. معاونة الطلاب على اكتساب خبرات متنوعة ، بفهم أساسي للبيئة والمشكلات المرتبطة بها.
  7. مساعدة الطلاب على اكتساب مجموعة من القيم والاهتمام بالبيئة وحوافز المشاركة الإيجابية في تحسينها وحمايتها .
  8. مساعدة الطلاب على اكتساب مجموعة من القيم البيئية والاهتمام بالبيئة وحوافز المشاركة الإيجابية في تحسينها وحمايتها .
  9. إتاحة الفرصة للطلاب للمشاركة الفعالة النشطة على شتى المستويات المحلية في العمل علـى حل المشكلات البيئية . ويمكن أن يتم ذلك بالسبل التالية :-
  1. تحديد وحل المشكلات البيئية القائمة .
  2. منع حدوث الأخطار البيئية والتأكيد على النواحي المرتبطة بالصحة العامة .
  3. تنمية المهارات للطلاب في متابعة القضايا البيئية والتنبؤ بما قد يجد من مشكلات .
  4. تنمية الإدارة البيئية ، واتخاذ قرارات بيئية رشيدة .
  5. تشجيع وإجراء البحوث المتعلقة بمختلف النواحي البيئية للطلاب .
وتتضح العـلاقة بين الدراسات الاجتماعية والبيئة وقضاياها وأنشطتها ومشكلاتها في اتخاذ البيئة ميداناً ومجالاً لتدريس الدراسـات الاجتماعية حيث يقوم الطلاب بعمل أبحاث عن البيئة المحيطة بالمدرسة تحت توجيه وإشراف المعلم ويتم ذلك وفق خطة مسبقة لدراسة ظاهرة مـن ظواهرها والوقوف على مشكلة من مشكلاتها فيتفاعل الطلاب مع هذه الظاهرة أو تلك المشـكلة تفاعـلاً إيجابياً . فيكون هدف البحث الميداني للطلاب البحث عن أسباب وأشكال وأنواع التلوث ـ مثلاً في المنطقة المحيطة بالمدرسة وما هي أسباب ظهور هذه المشكلة ؟ وهل يمكن أن تتفاقم هـذه المشكلة في المستقبل ويصعب حلها ؟ فيتفاعل الطلاب مع بعضهم ومع معلمهم ومـع المسئولين في الحي والسكان لدراسة هذه المشكلة (التلوث) ثم ينتهون بمعرفة الحلول التـي ينبغي أن تحل على أساسها تلك المشكلة كما يرى كل منهم . ثم يعود هؤلاء الطلاب إلى فصولهم الدراسية وقد استفادوا فائدة كبيرة عن طريق الدراسة من البيئة ، وعن طريق الوقوف على الخبرات المباشرة فيحصلون الدراسات الاجتماعية تحصيلاً سليماً . كما تدعو الضرورة في وقتنا الراهن باستخدام الانترنت في تدريس الدراسات الاجتماعية ، واستخدام اساليب تدريسية تساعد على تنمية القيم البيئية ومهارات اتخاذ القرار ، مثل التعليم الفردي والتعلم التعاوني والتفكير الناقد والعصف الذهني ، وكذا مداخل تنمي القيم البيئية ، مثل توضيح القيم وتحليل القيم ومدخل عدم التدخل . كما يمارس الطلاب نشاطهم الموجه في البيئة الطبيعية سـواء كانت هذه البيئة الطبيعية حية أو غير حية وكذلك البيئة المحلية عن طريق الزيارة والمشاهدة وتحصيل المعرفة من مادة الدراسات الاجتماعية ومن هنا أيضاً تبرز أهمية هذه المادة في التعليم والتثقيفوالتنوير بقضايا البيئة وعلاقة الطلاب بأحوال بيئتهم لأن ذلك هو المدخل السليم والمـهم لترشيدسلوكهم وتبصيرهم بالتوابع البيئية لأعمالهم وقراراتهم . وبأدق دقائق تعاملهم مع البيئة ، حتـى يستعيد الطلاب الانسجام بين حياتهم ومتطلباتهم وبين الاتزان السليم في النظم البيئية التي يعيشون في إطارها ، ولتكون التنمية الاقتصادية والاجتماعية على أسس بيئية سليمة تضمن لهم احتياجاتهم دون أن يفسدوا بيئتهم ، على هدى من قوله عز وجل من قائل , كلوا واشربوا مـن رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين - (البقرة : 60) وعلى الرغم من أن الدراسات الاجتماعية بصورتها هذه من أكثر المواد الدراسية ارتباطاً بالبيئة ـ كما ذكرنا ـ فإن هذه المواد بصورتها الحالية من محتوى وتدريس لاتؤدي دراسة البيئة من خلال الدراسات الاجتماعية ، ينبغي أن تكون البيئة هنا وسيلة ومجالاً مـيدانياً لتـدريس تـلك المـواد والدراسات . لأن ذلك من شأنه أن يساعد الطلاب على اكتساب مقومات السـلوك البيئي السـليم والراشد والواعي إزاء البيئة التي يعيشون فيها ومكوناتها . وإدراكهم لأهمية وضـرورة تـوازن هذه المكونات وضرورة المحافظة على هذا التوازن . ومن نافلة القول أن نذكر أن المشكلات البيئية لا تخضع للحدود الجغرافية مما يجعل الاهتمام بـها يتعدى النطاق العالمي فالمصادر الطبيعية المتناقضة وزيادة السكان والتلوث بأشكاله المختلفة : الماء ، الهواء ، الإشعاع والتصحر والجفاف والعطش والجوع ، تعتبر من قضايا الساعة التي لابد أن تتصدى لمعالجتها الكتب المدرسية . وفي هذا الصدد لابد أن نهتم بالدرجة الأولـى بالقضـايا المحلية الملحة التي يتعطش الطلاب لمعرفتها . ومن الأمثلة التي يمكن التركيز عليها على سبيل المثال لا الحصر :
  • هامشية معرفة الطلاب بالبيئة وشموليتها وأبعادها الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وتشابك كل هذه الأبعاد .
  • المعرفة السطحية بالمشاكل البيئية وأسبابها وآثارها على الفرد والبيئة حالياً ومستقبلاً .
  • بعض القضايا التي تواجه البيئة بسبب سوء تعامل الإنسان معها مثل :
ـ المشكلة السكانية . ـ مشكلة التوسع الحضري . ـ التصحر والجوع والجفاف . ـ استنزاف وإهدار بعض الموارد الطبيعية . ـ التلوث وأشكاله وأنواعه . ـ المخاطر الصحية ، والأمراض وسوء التغذية وغيرها . ـ التنوع البيولوجي ومشكلاته . ـ الرعي الجائر والإسراف في قطع الأشجار من الغابات . ـ الإدارة الخاطئة للبيئة . ـ استنزاف وإهدار المناطق الأثرية . ـ الخرافات البيئية والأنماط السلوكية الخاطئة .
  • تدهور القيم البيئية ووضع الخطط لتنمية هذه القيم والاتجاهات .
  • ضعف القدرة على اتخاذ القرارات البيئية السليمة في مجالات أنماط الإنتاج والاستهلاك.
  • التشريعات البيئية التي تحافظ على البيئة وحمايتها .
وفي هذا الصدد ونتيجة لحدة هذه القضايا البيئية اهتم خبراء الدراسات الاجتماعية بدعوة مفكري البيئة وعلمائها من أجل المحافظة عليها وصيانتها وتلاقت هذه الدعوة مع وجهات نظر خـبراء الدراسات الاجتماعية . فقد أثار البرنامج الذي بدأته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في أوائل السبعينيات اهتماماً كبيراً بين عدد من الدول العربية . فقد عقدت المؤتمرات الخاصة بهذا الشـأن وأوصى كل مـن مؤتمر خبراء الجغرافيا العرب 1969 ومؤتمر المعلمين العرب في بغداد 1974 وكـذلك ورشة العمل التي عقدت بجامعة قناة السويس 1988 وورشة العمل الثانية فـي الأكاديمية العربيـة للنقل البحري بالإسكندرية 1988 بالعمل على إدخال الدراسات البيئية الخاصة بالدراسات الاجتماعية في جميع مراحل التعليم بما يناسب مستوى الطلاب وظروف بيئتهم المحلية وإمكانات مدارسهم وتشريب المناهج بالأبعاد البيئية. وتتأكد أهمية تضمين الأبعاد البيئية في مناهج الدراسات الاجتماعية ، فالجهد التعليمي يقـوم علـى إتاحة الفرص لدراسة البيئة الطبيعية والمحلية التي يعيش فيـها الطـالب ، حيـث يستنتج الحـلول المباشرة للحفاظ عليها ؛ وهذا يؤدي إلى إحداث الاتصال المباشر بين الطالب والبيئة وهـنا يشـعر الطالب بأهمية ووظيفة الدراسات الاجتماعية كمواد دراسية فـي البيئة ، ويصـبح أهمية ما يتعلمه من خلال الأبعاد البيئية ذو قيمة . وعليه فان الابعاد البيئية هي التي تعبر عن مكونات وقضايا البيئة ومشكلاتها والعمل على الوصول لحل هذه المشكلات التي تتطلب تنمية اتجـاهات إيجابية للتلاميذ نحو البيئة من خلال المـناهج الدراسـية وخـاصة مـناهج الدراسـات الاجتماعية . يتبع
د/ عماد رمضان سليمان